سلطان أهل الهوى

شاهدت قبل أيام فيلماً على قناة «الوثائقية» المصرية عن المطرب الشعبي الشهير أحمد عدوية، عنوانه «سلطان أهل الهوى»، أعاد طرح صاحب الحنجرة القوية والحضور الطاغي في سبعينيات القرن العشرين وما بعدها في هيئة جديدة، تعيده من الهامش البارد إلى المتن الفياض، ولا تتعامل معه بخفة المتعجلين الذين يحيلون هذا اللون من الطرب بالضرورة إلى صعود الشعبوية أو تردي الذوق الفني أو تعبير عن مجتمع الفرجة والصخب، أو بقسوة المتحيزين إلى الثقافة النخبوية، دون أن يدروا أن أي مشروع نهضوي يهمل ما أبدعته القريحة الشعبية، أو من يعبرون عنها، ينقصه الشيء الكثير والمهم.

فالفيلم المكتمل إلى حد كبير فى صياغة سيرة «عدوية»، والسياق الذي أوجده ودفعه إلى الأمام، ومختلف الآراء التي قيلت حوله، بدءا من النميمة إلى محاولة الفهم والتدبر، أعده الشاعر والكاتب الصحفي الأستاذ سيد محمود، وكتبه الأستاذ مراد منصور، وأخرجه ووضع له السيناريو الأستاذ أحمد الحسيني، بالاستعانة بمادة بحثية للشيماء العزب، ومادة أرشيفية للموهوب بشري عبدالمؤمن.

استعان فريق العمل في ثنايا الفيلم بآراء نقاد للفن والأدب وعلماء اجتماع وموسيقيين ومهتمين بدراسة الموروث أو المأثور الشعبى، إلى جانب ابن «عدوية»، مازجاً فيه بين الشهادات والتأريخ والتحليل وبيئة الرجل اجتماعياً وسياسياً وفنياً، والمسار الذى حفره، حتى ذاع صيته، والأثر الذى تركه فى عقول ونفوس وأذواق من يمضون على دربه.

وكم يروق لى هذا اللون من التلفزة، وأتمنى أن يزداد حضوره فى برامجنا، وأراه جزءاً أصيلاً من التعبير عن الحضور الثقافى المصرى الذى ظل قائماً، ولا يزال، فى برامج تبثها قنوات عربية، لا سيما «الجزيرة الوثائقية»، يكون أبطالها مصريين بارزين فى الفن والثقافة والمعرفة والعلم.

شاركت مرات عديدة فى أفلام كان يعدها فريق من شباب مصريين، يصيغونها على مهل، ويحكمون إخراجها فى أفضل صورة ممكنة، حتى يكون بوسعهم تسويقها لمحطات عربية وأجنبية، وكانت عن شخصيات مثل أحمد شوقى، وعباس محمود العقاد، وطه حسين، وتوفيق الحكيم، ومى زيادة، وعلى عبدالرازق، أو عن كتب أثارت جدلاً مثل «بين الصحافة والسياسة» لمحمد حسنين هيكل، و«من هنا نبدأ» لخالد محمد خالد، وغيرها. وشاركت فى مثلها عن كتاب طه حسين «مستقبل الثقافة فى مصر» مع «الوثائقية» المصرية، وكان من إعداد سيد محمود أيضاً.

وأعرف كيف أن هذا اللون من الأعمال يحتاج إلى يقظة وإحاطة وتذوق، حتى يضع الفكرة أو الكتاب أو الشخص فى صورته الكلية، ويحاول ألا يغادر فى كل هذا شيئاً، وأن يقدمه فى هيئة تجمع بين الفائدة والمتعة، مستعينة بأشكال التأثير كافة من لغة وصورة وموسيقى ومشاهد تمثيلية إن دعت الضرورة إلى ذلك.

وفى فيلم «سلطان أهل الهوى» رأينا هذه العناصر حاضرة بعناية، فقربت إلينا شخص «عدوية»، ووضعتنا فى السياق الاجتماعى الذى أنتج دوره، ووقفنا مع مادته الثرية على المسار الذى سلكه الرجل من التوهج إلى الخفوت، وأدركنا البصمة التى تركها، والمكان الذى بلغه، سواء فى الطرب أو السينما.

تصادف أننى كنت قد قرأت قبل مشاهدة الفيلم كتاباً صادراً عن «دار الشروق» بالقاهرة، عنوانه «إعلام الجماهير.. ثقافة الكاسيت فى مصر»، وهو من تأليف الباحث آندرو سايمون، وترجمة بدر الرفاعى، أفرد فيه جزءاً عن ظاهرة «عدوية»، بوصفه أحد «رواد الأغنية الشعبية»، الذى أثار حفيظة النقاد، وسخرية الموسيقيين، واتهام بعض المثقفين له بإفساد الذوق العام، لكن صوته فرض نفسه فى النهاية، حتى إن نجيب محفوظ، الذى سبق له وصف أغانيه بالتفاهة والفظاظة، لم يلبث أن اعترف بجدارة حنجرته، فقال: «صوته قوى مشحون بالشجن»، وراح يذكر بعض أغانيه بسهولة، ويتمنى لو كان قد اهتم بمعانى الكلمات.

قابلت «عدوية» مرات قليلة مصادفة، وقت أن كان الضوء قد انحسر عنه، وصار طغيان حضوره خلف ظهره، وذلك حين كنت أذهب لتناول العشاء فى محل حاتى بسيط بحى المنيل، فكنت أجده يجالس اثنين، كان لهما فى الماضى بعض ما كان لـ«عدوية» من الذيوع ثم أفل نجماهما، كما جرى لكثيرين، هما الممثل سيف عبدالرحمن، أحد أبطال أفلام يوسف شاهين، ونبيل نور الدين، أحد أبطال الفيلم الشهير «الصعود إلى الهاوية». كانوا يتبادلون أطراف الحديث والابتسامات التى تحاول مغالبة التهميش والحرمان، وهم يمدون أيديهم إلى بعض المشويات هادئة الثمن.

كنت أنظر إليهم، وأتعجب من تصاريف الأيام، مستعيداً بعض ما أعرفه من سير الذين كانوا ملء السمع والبصر، ثم جرفهم النسيان، لكننى كنت أكثر اهتماماً بحال «عدوية» ومآله، فهو كان الأشهر، وبعض ما تركه كان يستعاد أسرع من صاحبيه، ومحاولته أن يظل موجوداً على قيد الطرب لا تزال قائمة، فيغنى رغم اختلاف هيئته بفعل الزمن تارة، ولأثر المرض الذى حفر علامات على محياه طوراً، متكئاً على صوته الذى ظل طلياً ندياً مميزاً حتى الرمق الأخير.

حاول «عدوية» ألا يكون فى الهامش، مستعيناً بمصاحبة ابنه «محمد» فى الغناء، وبآلات صوتية حديثة، تساعد فى إزالة شوائب الزمن عن حنجرته الطليقة، وجاء هذا الفيلم البديع ليعيده إلى المتن، ليس فقط بوصفه لوناً من الطرب الشعبى الباذخ، إنما أيضاً لأنه كان علامة فنية على زمن الانفتاح الاقتصادى وما بعده، فى الغناء والسينما، فالفن لا ينفصل عن البيئة التى أنتج فيها أو أوجدته، حتى لو كان غارقاً فى الذاتية والتجريد، والفيلم الوثائقى بما يميل إليه من إحاطة، يظل إحدى الأدوات القوية لتقديم راحلين بارزين فى رداء أكثر ملاءمة للمهتمين بالثقافة فى زمننا المعاصر، وهذا ما راعاه الفيلم فى جلاء واقتدار.