زمن المعجزات

المتعب المتألم الذي أعياه البحث عن وسائل يدفع بها الألم عن نفسه هو الأكثر ميلاً لتصديق من يردد أنه يحمل في جعبته «معجزات»! دون أن يلتفت إلى حقيقة أن المعجزات ارتبطت بزمن معين هو زمان الأنبياء، وأن زماننا لم يعد يعرف شيئاً اسمه «معجزة».

أصعب ما يمكن أن يواجهه الإنسان في الحياة هو الألم الجسدي أو المعنوي. وليس أدل على ذلك من تلك الإشارات التي تتعدد في القرآن الكريم حول حالة الراحة الجسدية والسلام النفسي اللذين سينعم بهما الإنسان في الجنة، مكافأة له على تحمل الألم الجسدي والوجع النفسي اللذين واجههما في الدنيا. قال تعالى في سورة «الحجر»: «لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ».. وقال في سورة «فاطر»: «وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ».

والحروف الثلاثة التي تتشكل منها كلمة «ألم» تتصدر العديد من آيات القرآن الكريم، وكأن الألم الجسدي والنفسي سر من أسرار الحياة التي يعيشها الإنسان: «لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ». وثمة إشارات عديدة في العهد الجديد أيضاً إلى فكرة الألم وأنه لا يعبر عن عقوبة قدر ما يمثل وسيلة للارتقاء الروحي وتنقية النفس. ولا يتعادل البشر في تحمل الألم، فمنهم من يصبر صبراً جميلاً (بلا شكوى)، ومنهم من يصبر ويشكو، ومنهم من يضعف عزمه عن الصبر. وللإنسان عذره فقد وصفه الله تعالى بالضعف: «وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفاً».

في زمن المعجزات النبوية كان المرضى والضعفاء وحزانى القلوب يسعون إلى المسيح، عليه السلام، ليمد إليهم يده بشفاء الأجساد ومداواة القلوب. قال تعالى في سورة «آل عمران»: «وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَد coverage جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ».

وعندما ابتلى الله تعالى آل فرعون بما شوه حياتهم وأربكها وأصابهم بالاضطراب: «فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْماً مُّجْرِمِينَ» هرولوا إلى «موسى»، عليه السلام، وطلبوا منه أن يُظهر معجزاته في تخليصهم من الألم المعيشي الذي يعانون منه.. قال تعالى في سورة «الأعراف»: «وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ».

الله تعالى هو الذي يساعد الإنسان على التحمل، وييسر له الأسباب التي تمكنه من استيعاب ما يواجهه في الحياة من ألم جسدي أو ألم نفسي، لذا فعليه أن يستعين بالله، وأن يلتمس كافة الأسباب المنطقية والعقلانية التي تساعده في تخفيف الألم عن نفسه، وأن يعلم أن زمن المعجزات ولّى من زمان!