تنكيل مستمر رغم الحرية.. الاحتلال يحاصر عائلة شيخ الأسرى الفلسطينيين ويمنع لم الشمل

كتب: منى السعيد

تنكيل مستمر رغم الحرية.. الاحتلال يحاصر عائلة شيخ الأسرى الفلسطينيين ويمنع لم الشمل

تنكيل مستمر رغم الحرية.. الاحتلال يحاصر عائلة شيخ الأسرى الفلسطينيين ويمنع لم الشمل

على سرير أحد مستشفيات القاهرة، يرقد الأسير المُبعد عبد الرحمن صلاح، الملقب بـ«شيخ الأسرى»، في حالة صحية متدهورة تعكس سنوات طويلة من الاعتقال في سجون الاحتلال، عاني خلالها من إهمال طبي قاسى، حيث أصبح جسده الذي أنهكه المرض غير قادر على الاحتمال، فهو يعاني من ضعف شديد في البصر يكاد يصل إلى حد فقدانه، وأمراض مزمنة، ومشكلات في الحركة والذاكرة، جميعها تراكمت داخل جسده الضعيف خلال أكثر من عقدين، قبل أن تخرج معه إلى ما بعد الحرية. إلا أن خروجه في فبراير 2025 لم يكن نهاية لمعاناته، بل بداية فصل جديد منها، حيث وجد نفسه مبعدًا إلى القاهرة، بعيدًا عن منزله في جنين، وعن عائلته التي لم تتمكن حتى اليوم من رؤيته.

تعنت الاحتلال رغم الحرية

تعيش عائلة عبد الرحمن صلاح في جنين بالضفة الغربية حالة مستمرة من القلق والترقب، في ظل عجزها الكامل عن الوصول إليه، بسبب تعنت سلطات الاحتلال التي ترفض منح أسرته تصاريح السفر، فمنذ إبعاده قبل عام وشهرين، لم يحصل أي من أفراد أسرته على تصريح يتيح له السفر أو زيارته، رغم حالته الصحية الحرجة، حسبما قالت ابنته رشا صلاح في تصريحات خاصة لـ«الوطن».

شيخ الأسري

وتوضح ابنته رشا أن التواصل الوحيد مع والدها يتم عبر الهاتف، لكنه لم يعد كافيًا مع تدهور حالته الصحية، حيث بات صوته ضعيفًا، وأحيانًا لا يستطيع إكمال المكالمة، ما يزيد من مخاوف العائلة من فقدانه دون أن تتمكن من رؤيته أو البقاء إلى جواره في لحظاته الصعبة.

هذا الواقع، بحسب ما تشير إليه تقارير صادرة عن هيئة شئون الأسرى ونادي الأسير، يعكس سياسة أوسع لا تقتصر على اعتقال الفلسطينيين في سجون الاحتلال فحسب، بل تمتد حتى لمن يُحرر منهم، لتشمل القرارات التعسفية عائلاتهم، من خلال فرض قيود مشددة على الحركة، ورفض منح تصاريح السفر حتى في الحالات الإنسانية، وهو ما يحرمهم من حق أساسي في مرافقة ذويهم المرضى أو وداعهم.

شيخ الأسرى الفلسطينيين

وُلد عبد الرحمن صلاح عام 1954 في جنين، ونشأ في عائلة بسيطة كان والده يعمل خبازًا. أسس عائلته وأنجب سبعة أبناء، قبل أن يتم اعتقاله في 23 يونيو 2002، خلال انتفاضة الأقصى، بعد أحداث مخيم جنين، وحُكم عليه بالسجن 25 عامًا.

داخل السجن، لم يكن الاعتقال مجرد حرمان من الحرية، بل امتد ليشمل حرمانه من تفاصيل حياته العائلية؛ فقد نجله محمد الذي استشهد عام 2003، دون أن يتمكن من وداعه، كما غاب عن زواج بناته ونشأة أحفاده. ومع مرور السنوات، أصبح الأكبر سنًا بين أسرى جنين، ليُعرف بلقب «شيخ الأسرى»، بحسب الموقع الرسمي للمركز الفلسطيني للإعلام.

في عام 2011، أُفرج عنه ضمن صفقة «وفاء الأحرار» والمعروفة بـ (صفقة شاليط)، بعد نحو 10 سنوات من الاعتقال، ليعيش بعدها فترة قصيرة من الحرية حاول خلالها استعادة حياته والتقرب من عائلته. غير أن هذه المرحلة لم تدم طويلًا، إذ أعادت سلطات الاحتلال اعتقاله في عام 2014 ضمن حملة استهدفت محرري الصفقة، في خطوة اعتبرتها مؤسسات حقوقية فلسطينية مخالفة صريحة لبنود الاتفاق الذي نص على عدم إعادة اعتقالهم.

وبعد اعتقاله تم إعادة الحكم السابق بحقه، ليعود إلى السجن مجددًا، وكأن سنوات الحرية القليلة لم تكن.

شيخ الأسري

تدهور حالة شيخ الأسرى

خلال سنوات اعتقاله الثانية، تدهورت حالته الصحية بشكل كبير، حيث تؤكد ابنته رشا إلى تعرضه لسياسات إهمال طبي متعمد، شملت حرمانه من وسائل المساعدة الأساسية مثل النظارات الطبية والعكاز، وإجباره على الحركة رغم صعوبة وضعه الصحي، فضلًا عن تعرضه لانتهاكات جسدية، ما أدى إلى تفاقم أمراضه وتحولها إلى حالات مزمنة وخطيرة.

وتندرج هذه الممارسات، وفق توصيف هيئة الأسرى ونادي الأسير، ضمن سياسة «القتل البطيء» التي تُمارس بحق الأسرى، خاصة كبار السن منهم.

في فبراير 2025، خرج عبد الرحمن صلاح من السجن مرة أخرى، إلا أنه تم إبعاده إلى القاهرة بدلًا من السماح له بالعودة إلى مدينة جنين. ومنذ ذلك الحين، يعيش حالة من العزلة القسرية، بعيدًا عن عائلته، في ظل تدهور مستمر في حالته الصحية، ودون أي إمكانية للقاء أو الزيارة، حيث تبقى المكالمات الهاتفية الوسيلة الوحيدة للتواصل.

اليوم، وبينما يرقد في مستشفى بالقاهرة، لا تزال معاناة شيخ الأسرى عبد الرحمن صلاح مستمرة، لكن هذه المرة خارج السجن، في صورة إبعاد قسري وحرمان من العائلة.

وفي جنين، لا تملك عائلته سوى الانتظار، أو انتظار مكالمة تطمئنهم عليه… أو خبر يخشون حدوثه، حيث تقول ابنته رشا: «إحنا خايفين نخسره وإحنا بعيد»، مضيفه: «لا نريد إلا أن نكون بجانبه».


مواضيع متعلقة