إسرائيل حاملة طائرات
(1)
حين يتحدث نتنياهو عن «سيادة جوية» فهو يؤكد التصور الذي نراه دوماً من أن إسرائيل ليست سوى «حاملة طائرات».
من المعروف أن سلاح الجو لا يحسم حروباً، وأن جيش إسرائيل على الأرض يتعثر، ويهرب بعد وقت أمام فصائل مقاومة، فما بالنا بغيرها؟
وحتى أمريكا نفسها لم تكسب، على المدى الطويل، حرباً على الأرض منذ الحرب العالمية الثانية، فقوتها النيرانية قد تحقق لها تقدماً في البداية، ثم لا يلبث أن يهرب جيشها مهزوماً خارج الدولة التي حاولت احتلالها، مثلما رأينا في فيتنام والصومال وأفغانستان، أو ينكمش في بقعة ضئيلة منها، دون استقرار، وهروبه قادم لا محالة، مثلما نرى في العراق.
(2)
لا يمكن المرور سريعاً على معلومة بثتها «سي. إن. إن» الأمريكية اليوم تقول إن الولايات المتحدة قد استهلكت 45% من صواريخها الهجومية الدقيقة خلال الجولة السابقة من حربها على إيران، فيما كان قد تأكد من مصادر عسكرية أمريكية أن أغلب الصواريخ الدفاعية لدى أمريكا وإسرائيل قد تم استهلاكها، وأن واشنطن ليس بوسعها إنتاج سوى ستمائة صاروخ سنوياً، وأنها حال تكريس كل الجهد المادي والبشري في الإنتاج لن تزيد عن ألف صاروخ، يمكن لما تنتجه إيران من مُسيَّرات وصواريخ هجومية من الأنواع رخيصة الثمن في أقل من شهر أن تستهلك كل إنتاج أمريكا في سنة تقريباً.
هذا يجب أن يؤخذ في الاعتبار حال تقدير مسار التفاوض، أو العودة إلى الحرب، إلى جانب مدى قدرة إيران على امتصاص وتحمُّل آثار أي ضربات هجومية مستقبلاً، خاصة إن طالت بنيتها التحتية.
(3)
على عهدة روبرت بيب، أستاذ العلوم السياسية بجامعة شيكاغو الأمريكية، في مقال له بصحيفة «نيويورك تايمز»: الحرب حولت إيران إلى قوة عالمية رابعة، ليس بالقدرات العسكرية، ولا الإمكانيات الاقتصادية، إنما بالجغرافيا.
يبني «بيب» فكرته على أن سيطرة إيران أو قدرتها على التحكم الانتقائي في مضيق هرمز هي مصدر قوتها الجديدة، ليس من خلال إغلاق المضيق فقط، بل أيضاً القدرة على السماح أو المنع بشكل انتقائي لحركة السفن، ما يمنح طهران أداة ضغط اقتصادية عالمية، نظراً لأن خُمس الطاقة العالمي (نفط وغاز) يمر من المضيق، وكذلك الأسمدة والألومنيوم، إلى جانب الاستثمار العالمي الضخم في بلدان الخليج العربية في الاقتصاد الرقمي.
ومن هنا يرى «بيب» أن هذا الوضع يعطي إيران نفوذاً سياسياً مباشراً على دول الخليج والاقتصاد العالمي، وقدرة على إعادة تشكيل ميزان القوى في المنطقة، ولذا فإذا استمرت إيران في التحكم بالمضيق لفترة طويلة، فإن ذلك قد يحوِّلها إلى «مركز رابع للقوة العالمية» بجانب الولايات المتحدة والصين وروسيا، وهي قوة نابعة من الجغرافيا أكثر من الاقتصاد أو القوة العسكرية التقليدية، مثلما هو وضع هذه الدول الثلاث. وواصل «بيب» أن إيران لا تحتاج لإغلاق المضيق بالكامل، بل يكفي أن تهدد السفن، أو تضرب بعضها لإثبات الجدية، أو تفرض قواعد مرور، مما يخلق نوعاً من «السيطرة دون إعلان سيطرة كاملة»، لكنه فعَّال جداً.
(4)
قال الكاتب اللبناني بشارة شربل إن «الرئيس الأمريكي يخاف من الانتخابات النصفية المقتربة. المرشد الإيراني ليس مهدداً بهذا النوع من الاستحقاقات». وأقول له: ترامب مهدَّد بفقدان الأغلبية في الكونجرس، لكن المرشد مهدَّد بانهيار نظامه كله. ألم يقل بهذا الأمريكان لكنهم عجزوا عن تنفيذه لأسباب يطول شرحها؟.. بل الأخطر هو أن الدولة الإيرانية تواجه تهديداً وجودياً، ألم يقل ترامب «ستموت حضارة»؟ المسألة هي أن ترامب لو كان يضمن تحقيق انتصار حاسم ما تردد لحظة في شن الحرب مجدداً ليستفيد بهذا في الاستحقاق الانتخابي، والمرشد الذي جعل من نصره هو الصمود، وإيلام أمريكا بطرق قتال غير تقليدية، تفيده الحرب في التفاف أغلب الشعب حول نظامه.
(5)
أمريكا ليست رسول حرية، إنما قاتل متسلسل.