العقلاء عن قوة
متى نجلس على مائدة المفاوضات.. ولماذا؟
تضع الإجابتان ملخصاً لسياسة مصر الخارجية، فربما تكون اتفاقية كامب ديفيد ومعاهدة السلام آخر اتفاقية سياسية كبرى وقّعتها مصر باسمها ولنفسها، لتتفرّغ على مدار سنوات طويلة لممارسة دور خُلقت له، يناسبها دون غيرها، خصوصاً في السنوات العشر الأخيرة، منذ استعادة نفسها من براثن الربيع، ومنذ عادت شمسها الذهبية.
تقع مصر في قلب الصراع، لا تستتر من مواجهة ولا تتخذ لها ساتراً، تضع المصلحة العليا دائماً هدفها، وترميها بسهام تصيب أكثر مما تخطئ.
في كل مرة تتعدّد الأسئلة: «ما لنا بالمفاوضات؟ ولماذا نشارك أو نقترح أو نقترب وليس لنا ناقة ولا جمل؟» لماذا لا نفعل مثلما يفعل غيرنا؛ نقترب بحكم اقتراب مصالحنا، ونبتعد بقدر ابتعادها؟ ورغم وجاهة الأسئلة واستحقاقها، فإن الإجابات التى تقدّمها مصر دائماً تحمل الإبهار للسائل في الأساس، وللمتربص أيضاً.
لم تكن مصر إلا داعية للسلام، حاربت وانتصرت، وفعلت هذا دفاعاً عن النفس، ثم مالت لأن يعمّ الأرض سلام يهدف إلى حماية البشر، أيّاً كانت أعراقهم وجنسياتهم، وظلت لسنوات دعوتها مجرد كلمات إنشائية لا تغيّر في واقع الصراع، ولا تضيف إليه أو تخصم منه، إجراءً من باب الواجب والبروتوكول، تقترب من كل المشكلات بطرح الحلول، لم يكن حل الدولتين أولها ولن يكون آخرها ودائماً ما تقدم ما تستطيع، حتى دون طلب من الآخر، بل دون اهتمام أو اكتراث أو حتى شكر، فما بالك حين يكون الحل مطلوباً، والتشاور جزءاً أصيلاً من دورها الذى صارت إليه، وأن موقف مصر أصبح «مؤثراً» في صناعة القرار العالمى، بما يضعها في المكانة التى تليق بها، ويجعل حلولها محل التطبيق قبل التقدير، وهو الأساس.
اتصال هاتفي يجمع ستيف ويتكوف، المبعوث الأمريكى الخاص للشرق الأوسط، مع بدر عبدالعاطي، وزير الخارجية المصري، لبحث مسار المفاوضات الأمريكية الإيرانية وجهود خفض التصعيد في المنطقة، يأتي في أعقاب إلغاء ترامب زيارة ويتكوف وكوشنر إلى باكستان، في تناقض يدل على أن المفاوضات تتعثر، وأن ثمة توقفاً في مسيرة لا يريد لها العالم أن تتعطل فكل لحظة تأخير تُترجم إلى خسائر بالمليارات وزيادات بالملايين في أسعار العملة والوقود، ليس على مصر ولا الشرق الأوسط برمته، بل على العالم كله بقاراته الخمس، فهى حرب الكبار، ليسوا كبار القرار، بل كبار الموارد وسلاسل الإمداد.
لماذا يترك ويتكوف مفاوضاته ويهاتف الوزير المصري؟ الإجابة حاسمة ويمكن استخراجها من التاريخ، أو بالعودة إلى مسار العلاقات المصرية - الأمريكية منذ يناير 2025، حيث ولاية ترامب، وحتى الآن ما الذى يدفع رئيس أقوى دولة في العالم للإشادة باحترافية الرئيس المصري وقدراته؟ وما الذى يجعل لمصر اليد الطولى في مفاوضات السلام واتفاق وقف إطلاق النار في غزة الذى تُوّج باتفاقية شرم الشيخ؟ وما الذى يدفع أى مسئول في نطاق صراع إلى مهاتفة مسئول مصرى للأخذ بتجربته أو رأيه أو مساره في إنهاء صراعه المشتعل؟
في الحرب الأمريكية الإيرانية، ينقسم الدور المصري إلى عدة محاور، كلها تهدف إلى النتيجة نفسها: السلام قولاً واحداً أمن الخليج مسئولية، والعدوان والتعدى على سيادة الدول أمر مرفوض ثم نأتى إلى القيمة التى تراعيها مصر دون غيرها، وربما شجّعت دول أوروبا عليها مؤخراً، وهى إعلان الموقف بمواجهة وشجاعة وقدرة على التصدى لكل اختلاف، دون خلق أى صراعات جانبية تدفع مصر ثمنها، إذ إن لغة الدبلوماسية والتفاوض لا يرشد إليها إلا العقلاء، عن قوة لا عن ضعف أو خوف.
وكما رعت مصر الحل للقضية الفلسطينية عبر عقود، وأنهته باتفاقية شرم الشيخ، ترعى الآن تنسيقاً مع شركائها الإقليميين والدوليين، ليتبنى الجميع نهجاً واحداً، أوله الحل السياسى، ثم التفاوض ليس شكلاً، بل حقيقة واقعة، بهدف إحراز نتائج تُلقى حجراً في المياه الساكنة، وتحرك الدماء في شرايين تيبّست وشاخت وتصلبت، وتقدم العلاجات الممكنة وغير الممكنة قبل أن تصبح المواجهة الحل الوحيد.
لكل ما سبق.. يسمعون مصر، يحدثونها، وقد يمتثلون لحلولها.