المستشار أحمد بركات يكتب: حين تتكلم الثقافة.. تسقط الحدود
المستشار أحمد بركات يكتب: حين تتكلم الثقافة.. تسقط الحدود
ليست المشكلة في العالم العربي اليوم أين تقع حدودة.. بل لماذا لم تعد هذه الحدود تفصل بين شعوبه فعلياً.
في زمن التحولات الكبرى، لا تُقاس قوة الأمم بما ترفعه من شعارات، ولا بما ترسمه من خرائط، بل بقدرتها على الحفاظ على تماسكها الداخلي. والسؤال الحقيقي ليس: أين تنتهي الجغرافيا؟ بل: ما الذي ما زال يربط بينها؟ والإجابة الأقرب: الثقافة.
فالثقافة ليست ترفاً نخبوياً، ولا نشاطاً هامشياً، بل هي البنية العميقة التي تحفظ الذاكرة، وتعيد إنتاج الانتماء، وتبقى المعنى حياً في الوجدان. هي اللغة التي تُفهم دون ترجمة، والجسر الذي تعبره المشاعر حين تعجز السياسة عن تخطي الحدود.
ما فشلت فيه الجغرافيا أحياناً، نجحت فيه الثقافة بهدوء.
في التجربة العربية، لم تكن وحدة الشعور يوماً نتاج قرار سياسي، بل حصيلة تراكم ثقافي طويل صنعته اللغة والأدب والفن والذاكرة المشتركة. لذلك لم يكن صوت أم كلثوم مصرياً فقط، بل كان وجداناً عربياً ممتداً. وحين غنى عبدالحليم حافظ «الوطن الأكبر» و«أرض الجزائر»، لم تكن أغانيه مجرد أعمال فنية، بل كانت تعبيراً عن لحظة وعي عربي مشترك.
ولم تكن أعمال أحمد زكي في «ناصر 56»، أو محمود عبدالعزيز في «رأفت الهجان»، أو عادل إمام في «دموع في عيون وقحة»، أو محمد صبحي في «سكة السلامة 2000»، أعمالاً محلية الأثر، بل كانت امتداداً لحالة شعورية عربية مشتركة. كما لم يكن ما كتبه طه حسين أو نجيب محفوظ شأناً داخلياً، بل كان جزءاً من تشكيل الوعي العربي الحديث.
وفي الإطار العربي الأوسع، تبرز محاولات متعددة لإعادة تفعيل هذا البعد المشترك، ومن بينها مؤسسات ومشروعات ثقافية في الخليج، مثل مجلة «الجسرة» الصادرة من الدوحة، التي تنظر إلى الثقافة باعتبارها مساحة تفاعل بين التجارب العربية.
ففي تناولها لموضوعات مثل «الشتاء» أو «الجنون»، لا تكتفي بالوصف، بل تتجه إلى قراءة الحالة الإنسانية العربية في سياقاتها المختلفة، بما يعكس إدراكاً أعمق لدور الثقافة كأداة لفهم الذات الجمعية.
وهنا لا تصبح الثقافة وسيلة لنقل المعرفة فقط، بل عملية مستمرة لإنتاج المعنى داخل الوعي المشترك. وهذه ليست رومانسية ثقافية، بل حقيقة يمكن ملاحظتها: حين تتراجع السياسة، تتقدم الثقافة بهدوء.
لكن هل تستطيع الثقافة وحدها أن تعيد ترميم ما تراجع من ترابط عربي؟
الإجابة أنها تظل الشرط الأول لأي تقارب ممكن، وإن لم تكن الشرط الوحيد. فبدون وعي مشترك، لا تقوم مصالح مشتركة، وبدون لغة داخلية واحدة، تصبح كل أشكال الوحدة مؤقتة وعرضة للتآكل، إن الأمم لا تتفكك فقط حين تُهزم على حدودها، بل حين تفقد قدرتها على أن ترى نفسها ككيان واحد. وهنا تحديداً تعمل الثقافة كخط الدفاع الأخير.
لذلك، فإن الحفاظ على التدفق الثقافي العربي ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة وجودية. فما لا تحميه الثقافة، لا تحميه السياسة طويلاً. لأن الثقافة لا تنتج المعرفة فقط، بل تنتج المعنى.. والمعنى هو ما يُبقي الأمم حيّة.
قد تبقى الحدود صلبة على الخرائط، لكن إن تراجع الوعي المشترك، تبهت فكرة الأمة نفسها، وفي المقابل، حين تظل الثقافة حيّة ومتدفقة، فإنها تحفظ خيطاً غير مرئي يربط الشعوب، مهما تباعدت الجغرافيا واختلفت السياسات.
لهذا، لا تُقاس قوة المجتمعات بصلابة حدودها فقط، بل بقدرتها على إبقاء روابطها الداخلية حيّة وفاعلة. فالوحدة الحقيقية لا تُفرض من الخارج، بل تُبنى من الداخل، عبر تراكم ثقافي يعيد تشكيل الوعي جيلاً بعد جيل.
وهكذا، تظل الثقافة أحد أهم عناصر إعادة إنتاج الوحدة العربية، ليس بالشعارات، بل بالفعل التراكمي المستمر داخل الوعي. وحين تتكلم الثقافة... تسقط الحدود.