أم كلثوم والشعر والشعراء

يوسف القعيد

يوسف القعيد

كاتب صحفي

تظل أم كلثوم موضوعاً للكتابة في صحفنا وكتبنا ومجلداتنا. في العدد الأخير من مجلة إبداع، التي تُصدِرها هيئة الكتاب، ويرأس تحريرها الشاعر والصحفي أحمد الشهاوي، ويتولى رئاسة مجلس الإدارة الدكتور خالد أبو الليل رئيس هيئة الكتاب.

كتب سيد محمود سلام مقالاً مهماً عن أم كلثوم، عنوانه: أم كلثوم عاشقة الدرب وسيدة القصيدة المُغناة. في المقال يسرد علاقات أم كلثوم بمعاصريها من الأدباء والفنانين والشعراء، وفيه الكثير من الجديد الذي أقرأه لأول مرة رغم متابعتي لكل ما يتصل بأم كلثوم.

يقول صاحب المقال إنه جمعت أم كلثوم ونجيب محفوظ علاقة احترام فكري عميق، كانت هي ترى فيه مرآة المجتمع المصري بتعقيداته وتحولاته، وكان يرى فيها تعبيراً فنياً بالغ الصدق عن روح هذا المجتمع، قرأت عدداً من رواياته خاصة تلك التي تتناول التحولات الاجتماعية والطبقات الشعبية، وكانت معنية بقدرته على بناء الشخصية، وهو ما كانت تقارنه ببناء الشخصية الغنائية في الأغنية الطويلة.

تبدأ العاطفة من نقطة بسيطة ثم تتصاعد. في حين أنها لم تنظر لإحسان عبد القدوس بوصفه كاتباً مثيراً للجدل، بل ككاتب يمسك بتلابيب النفس البشرية، خاصة المرأة. قرأت له رواياته بشغف وكانت تُقدِّر طريقته في التعبير عن المشاعر المكبوتة والصراعات الداخلية، وقيل إنها كانت ترى في بعض نصوصه وجهاً آخر للغناء العاطفي، لكن بلغة السرد لا النغم.

ورغم أن علاقتها بكل كُتَّاب -أدباء مصر- تلك العلاقة التي وقفت عند حدود الإعجاب والإشادة لم تقدم سينمائياً روايات لنجيب محفوظ، لكنه كان مولعاً بأغنياتها ولا يقارنها بأحد. وكتب نجيب محفوظ في الأربعينات عن صوت أم كلثوم: ما من جمود مثل أن يُقارن أي من الأصوات المصرية بهذا الصوت.

ويكتب صاحب المقال أن علاقتها كانت وثيقة بتوفيق الحكيم، كانت تزوره في مكتبه حتى إنها ذهبت إليه وحصلت منه على مبلغ تبرع به للمجهود الحربي، وبالنسبة إليها هو نموذج المثقف الذي يوازن بين الفكر والفن. كانت تستمتع بقراءته لا سيما نصوصه الحوارية التي تعتمد على الفكرة العميقة واللغة الرشيدة.

أما طه حسين فكان يحتل مكانة خاصة في وجدانها، قرأت له «الأيام» أكثر من مرة، وتأثرت بمشروعه في الدفاع عن اللغة العربية وحرية العقل، وكانت تعتبره أحد حراس الذائقة اللغوية العربية.

ولها حكايات عن كتاب الأيام، كان من بين أحب الكتب إليها، إلى جانب دواوين أحمد شوقي، وكتاب حديث الأربعاء، وبعض ترجمات الشعر الفارسي التي قرأتها عبر أحمد رامي. كانت تعود إلى هذه الكتب كما يعود المطرب إلى مقامه المفضل لتستعيد توازنها الداخلي وتغذي حسها اللغوي.

ومنذ بداياتها أدركت أم كلثوم أن السينما سلاح ذو حدين، كانت ترى أن الفيلم بخلاف الحفل الغنائي يفرض صورة ثابتة لا يمكن تعديلها أو الارتجال داخلها، وأن الاقتراب من نص أدبي كبير يضع الفنان في مواجهة مباشرة مع قارئ يمتلك تصوراً مسبقاً عن الشخصيات. لذلك لم تكن متحمسة لأن تكون بطلة رواية بقدر حرصها على أن يظل الغناء مركز التجربة.

في الأربعينات من القرن الماضي طُرِح اسمها في أحاديث الوسط الفني لأن تقوم ببطولة أعمال سينمائية مأخوذة عن رواية: دعاء الكروان لطه حسين. والرواية بما تحمله من مأساة إنسانية وصراع داخلي بدت مُغرية لها فنياً، لكن الرواية كانت في نفس الوقت عبئاً ثقيلاً، تحفَّظت أم كلثوم على الفكرة، خشية أن تطغى الدراما على الغناء، أو أن يُختزل العمل في صوتها، وانتهى الأمر بتحويل الرواية لاحقاً لفيلم بطولة فاتن حمامة، ليؤكد ذلك لنا أن أم كلثوم لم تكن تبحث عن بطولة فيلم، بقدر ما كانت تبحث عن التوازن الفني.

وعلى المستوى الوجداني وكما قال معاصروها كانت أم كلثوم قارئة شغوفة لجبران خليل جبران وتحديداً: الأجنحة المتكسرة. وتردد في الأوساط الثقافية وقتها أفكار غير مكتملة عن تحويله لعمل سينمائي. فيلم غنائي تكون هي محوره العاطفي، أما الطابع التأملي للنص وصعوبة نقله إلى لغة الصورة والغناء دون الإخلال بروحه جعل المشروع يتوقف، لكنها اقتربت من كتابات سينمائية مع كُتَّاب وصحفيين.

إن علاقة أم كلثوم بالشعر والشعراء تحتاج إلى كتب مستقلة.