قلق إسرائيل من أساطيل غزة
تحالف «أسطول الصمود» الذى يتصدَّر المشهد الآن، ومن قبله «أسطول الحرية»، يمثلان كابوساً سياسياً وإعلامياً لإسرائيل أكثر منه عسكرياً، وهو ما يجعل إسرائيل تتحرك بسرعة لإفشال أهدافه رغم أن السفن مدنية ولا تحمل سلاحاً، إلا أنها تضرب إسرائيل فى عدة نقاط استراتيجية، أهمها: كسر السيادة البحرية، فالحصار البحرى هو جزء من فرض السيطرة المطلقة التى تحاول إسرائيل فرضها، ومعنى وصول أى سفينة إلى شواطئ غزة دون إذن إسرائيلى هو عملياً «سقوط الحصار» قانونياً وسياسياً، وهو ما تخشاه إسرائيل بشدة، لأنه يفتح الباب أمام خطوط إمداد لا تخضع لرقابتها.
ثانياً الإحراج القانونى، فالسفن ترفع أعلام دول مختلفة (مثل إيطاليا، بولندا، إسبانيا)، ووفقاً للقانون الدولى فإن السفينة فى المياه الدولية تُعتبر أرضاً للدولة التى ترفع علمها، واعتراضها يُعد «قرصنة» واعتداء على سيادة تلك الدول، مما يضع إسرائيل فى صدام دبلوماسى مباشر مع عواصم دول حليفة لها.
الأمر الأكثر تأثيراً هو أن الأساطيل تضم برلمانيين ونشطاء حقوق إنسان وصحفيين دوليين، والتعامل معهم بالقوة كما حدث سابقاً فى أسطول الحرية التركى «مافى مرمرة»، أو اعتراض سفينة مادلين وحنظلة مؤخراً، يخلق صوراً ذهنية كارثية لإسرائيل أمام الرأى العام العالمى، ويُظهرها ككيان «خارج عن القانون»، ومن هنا ستفضح السردية الإسرائيلية التى تدَّعى أنها تتعامل وفق القانون الدولى ولا تعرقل دخول المساعدات أو تمنعها وهذا مُنافٍ للواقع، إذ تسعى إسرائيل دائماً لتمرير المساعدات عبر معابر تسيطر عليها لتتحكم فى الكمية والنوعية (سياسة التنقيط). الأسطول يقدم هنا بديلاً إنسانياً مباشراً يتجاوز هذه القيود، ويكشف أن الحاجة الأمنية التى تدَّعيها إسرائيل هى فى الحقيقة عقاب جماعى.
رغم كل هذه التجاوزات التى ترتكبها إسرائيل بحق أساطيل تضامن تبحر لمساعدة الفلسطينيين المحاصرين فى غزة على مرأى ومسمع العالم كله، إلا أن المجتمع الدولى لا يُحرك ساكناً إزاء هذه التجاوزات، فلماذا لا يتحرك المجتمع الدولى لحمايتها؟
هذا السؤال يلمس جوهر «ازدواجية المعايير» فى السياسة الدولية، وهناك أسباب عدة لهذا الصمت المخزى، منها الغطاء السياسى الكبير، فالولايات المتحدة وبعض القوى الأوروبية تتبنى الرواية الإسرائيلية التى تعتبر أى محاولة لكسر الحصار يمثل «استفزازاً غير ضرورى»، وهذا الغطاء يمنع صدور قرارات ملزمة من مجلس الأمن تحت الفصل السابع لحماية هذه السفن، كذلك الضغط على دول الأعلام بالترهيب، فقد مارست إسرائيل ضغوطاً هائلة على دول مثل اليونان وتركيا وغينيا بيساو لسحب أعلامها عن السفن أو منعها من الإبحار من موانئها (كما حدث فى إسطنبول عام 2024) مما يحرم السفن من الحماية القانونية لدولها قبل أن تبدأ رحلتها.
إسرائيل تتذرع دائماً بوجود منطقة عمليات عسكرية، أو حصار بحرى قانونى، بموجب قانون النزاعات المسلحة، وهى ثغرات قانونية تستخدمها لتبرير اعتراض السفن فى المياه الدولية، مما يجعل بعض الدول تتردد فى التدخل العسكرى المباشر لتجنب التصادم مع البحرية الإسرائيلية.
غير أن غياب وضعف الردع الأممى عامل أساسى فى البلطجة الإسرائيلية وتجرُّئها على ارتكاب المزيد من الجرائم والقرصنة بحق تلك الأساطيل المسالمة التى تثير قلق دولة الاحتلال أكثر من السلاح الموجَّه ضدها. للأسف المنظمات الدولية، مثل الأمم المتحدة، تكتفى بإصدار بيانات قلق وإدانة فقط.
وبما أن إسرائيل لا تواجه عقوبات اقتصادية أو ملاحقات فورية عند ممارسة هذه القرصنة، فإنها تستمر فى تكرارها لعلمها أن التكلفة تقتصر على الانتقاد الكلامى فقط، وليس هناك أى رادع فعلى يجعل إسرائيل تفكر كثيراً قبل أن تقوم بأى تجاوز بحق تلك الأساطيل التى تحاول كسر الحصار المطبق على غزة من أجل نصرة ومساعدة الفلسطينيين.
إن أسطول الصمود لا يحاول فقط إيصال المساعدات، بل يحاول «تأميم» البحر الفلسطينى مجدداً.
إسرائيل ترتعب من «الشرعية» التى يحملها هؤلاء النشطاء، والمجتمع الدولى يمتنع عن حمايتهم، ليس لعدم قانونية مهمتهم، بل لغياب الإرادة السياسية فى مواجهة نفوذ حلفاء إسرائيل.