العلم أولا.. ثم الإيمان

عامان، وتتم مواقع التواصل الاجتماعي في مصر 20 عاماً، وأشهرها وأقدمها بالطبع هو تطبيق «فيس بوك»، الذي قد يحتفل بهذه المناسبة، وقد يتجاهلها -إذ إن وجوده سبق هذا التاريخ في العالم كله بأربع سنوات -وإن كان الميل للاحتفال هو الأقرب للمنطق، على الأقل في مصر، فلم يؤثر التطبيق في مجتمع مثلما أثر في المجتمع المصري، ولم يكشف مجتمعاً، وبالأصح «يعرّيه»، مثلما فعل في مجتمعنا، وللأسف برضا وقبول وموافقة مسبقة وإصرار، يكافئ بل يتفوق على إصرار القتلة المحترفين.. لدرجة أن أكثر من تحليل نفسي واجتماعي يمكن أن يستخلصه علماء الاجتماع والنفس والباحثون في التخصصات المختلفة إذا ما راقبوا مواقع التواصل الاجتماعي؛ ففيها إجابة عن كل شىء، وعينة لكل ظاهرة، وأرشيف منظم للجريمة -على الأقل تلك التي تود خوارزميات السوشيال ميديا لها أن تنتشر- وقد كان.

فيديو لواقعة تحرش داخل إحدى المؤسسات التعليمية، المتهم أحد أولياء المجنى عليها -فالمعلم أو مدير المدرسة في فترة الدراسة هو ولىّ على الطالب- ينصرف المجتمع لبث مزيد من الرعب: الكل متحرش، والمدارس بيئات غير آمنة للأبناء. تتكاثر الفيديوهات والمقاطع لتشاهد عملية التحرش كاملة، أو مصحوبة بتعليق، أو «مهذبة» عبر الذكاء الاصطناعي، والنتيجة عشرات من نتائج البحث لواقعة واحدة لها أشكال متعددة. تذهب الحقيقة وراء الهوس، الجميع يخاف من الوقوع ضحية، والمجتمع موصوم بأنه صار للمرضى والشهوانيين ومنعدمي الأخلاق. فربما يقدم علم الجريمة مبرراً للقتل والسرقة على سبيل المثال، لكنه لا يقدم مبرراً مماثلاً لتحرش بالغ بطفل، إلا لو كان يصف حيواناً لا علاقة له بالبشر.

ورغم عشرات الضوابط والقرارات التي تُتخذ في مثل هذه الحالات، سواء من الجهات القانونية ولها سلطة الإجراءات العقابية، أو الجهات التأديبية، يظل الانتشار أكبر من محاولات الحجب والمنع؛ إذ إن الانتشار جزء من خوارزميات لا تريد سوى بث الرعب وخلق حالة عامة بين المصريين تفيد بأننا «لسنا في أمان». والحقيقة أننا بالفعل لسنا في مأمن، ولا يحق لنا وسط هذه الحالة أن نتخذ ساتراً، ولا أن يحتمى البعض بالعبارة التي لا قيمة لها: «أغلقوا مواقع التواصل الاجتماعي». فإذا كان منع نشر فيديو يخالف المعايير الأخلاقية وحقوق الإنسان وأكواد الطفل وغيرها لا بد أن يصدر بسلطة منع، فهل إغلاق هذه المواقع سيتم لأنه اقتراح برغبة أو مشروع قانون برلماني؟

وحتى لا نظلم خوارزميات التواصل الاجتماعي وحدها، أو نحملها «الشيلة كاملة»، لا بد أن نشير إلى مسئولية مشتركة مع المواطن، فما كان لنظام «الخزعبلات» أن ينتشر لولا أنه وجد مجاذيبه حوله. لا يكفيهم الاقتناع به وممارسته والتسبب في إزهاق أرواحهم وخسارة صحتهم، ولم يكفهم أنهم روّجوه ونشروه ونصحوا به، بل وطبقوه على أقرب الأقربين لهم، لقد صاروا يتعقبون كل مخالف لهم تعقّب من له ثأر، وصل إلى حدود إجرامية مثل الترهيب والتهديد والإبلاغ عن كل الآراء التي خالفت معتقدهم الخزعبلي، الذي يفيد بأن من يأكل البيض سيبيض ويفقس ويتحول إلى الكتكوت لهيطة! لقد تجاوز الأمر حدود السخرية والضحك إلى حدود اللعنة، وصارت الاستغاثات تنطلق عبر مواقع التواصل الاجتماعي أيضاً، لدرجة أن طبيبة تستغيث من والدتها الأستاذة الجامعية: «ضبطت أمي ماشية على نظام الخزعبلات».

الغريب في هذا أن المعايير التي تطبقها مواقع التواصل الاجتماعي تمنع المحتوى الطبي غير الموثق من الانتشار، لكن الخوارزميات كان لها رأي آخر؛ إذ إنها لا تنحاز للآراء المتزنة، ولا بد لها من سخونة وشذوذ وخروج عن المألوف، سواء في العنوان أو الطرح نفسه، وهي ما تزيد انتشاره وتعزز عوائده.

لكن المتهم الرئيسي أيضاً هو المواطن المصري، الذي عزز هذه الاتجاهات؛ تارة بنشر الخزعبلات باعتبارها نظاماً غذائياً طبياً، وأخرى بالتوسع في نشر فيديوهات الجرائم، خاصة الأخلاقية، بصورة توحي بأن الجميع يسير عارياً.. وهو ما يدفع بالفعل لضرورة التحرك، لكن ليس لمنع مواقع التواصل الاجتماعي أو تحجيمها أو خلق كيانات عربية موازية، أعتقد أننا نحتاج لما هو أفضل، لما يزيد من مناعة المواطن في مواجهة عوامل التعرض التي تزيد وتتغير، نجعله أصلب وأقدر على المقاومة والفرز.. ولن يحدث هذا وشعار الحرية دون ضوابط يرفرف في السماوات، ولن يحدث والمجتمع بمتغيراته لم يخضع لتحليل يوضح ماذا حدث لنا وماذا تغيّر فينا ومن غيّره؟ ولن يحدث ونحن لا نملك قاعدة بيانات صحية وسلوكية منضبطة للمصريين، صحيح أن ثمة تطوراً كبيراً في الرصد وتقديم الخدمات الطبية وتحاليل قبل الزواج وقبل التوظيف وربطها كلها بقاعدة بيانات، ترتبط بشكل أو بآخر بمشروع التأمين الصحي الشامل الذي يسير بخطى واثقة من محافظة لأخرى، لكننا الآن الأحوج إلى تحاليل واختبارات تتم في الفترة من سن 18 وحتى سن الـ20، اختبارات نفسية وتحديد مستوى الذكاء، ربما يكشف كلاهما عن مستقبل الخلل النفسي لدى البعض فتتحرك الدولة للعلاج، ومستقبل الوعي لدى الآخر، ومستقبل البلد إجمالاً إذا قررنا أن نكون أهل «العلم أولاً ثم الإيمان».