الوصم قبل العلاج.. معاناة المرضى النفسيين في مواجهة المجتمع

كتب: إنجي الطوخي

الوصم قبل العلاج.. معاناة المرضى النفسيين في مواجهة المجتمع

الوصم قبل العلاج.. معاناة المرضى النفسيين في مواجهة المجتمع

جلست «هدى» تستمع إلى شكوي «نجوى»، زوجة أخيها «جلال»، من زيادة حدة الهلاوس بسبب مرضه النفسي «الذهان»، التي لم تعد قادرة على التعامل مع أعراضها، أو السيطرة علىها بالدواء، وانتهت المكالمة التليفونية بجملة ثابتة لزوجة الأخ تقولها تقريباً منذ بدأ زواجها قبل 28 عاماً: «أنتم السبب في تدمير حياتي، أنتم إللي خبيتوا علىا مرضه مش مسامحاكم!»، أغلقت «هدى» الهاتف، ثم مسحت دموعها سريعاً وهي تعلم أنه تمت التضحية بحياة نجوي لحماية العائلة من الوصم.

«هدى»: شقيقي مريض بالذهان وأمي خبّأت حقيقة مرضه عن زوجته الحالية حين تقدم لها خوفاً من الوصم الذي كان يلاحقنا

تشرح «هدى»، ربة المنزل، جملة زوجة أخيها المؤلمة، قائلة: «أخي كان يتقدم لكثير من الفتيات للزواج، ولكن كان يتم رفضه بسبب مرضه، وكان الحل إخفاء حقيقة مرض أخي عندما تقدم لـ«نجوي» خوفاً من رفضه بسبب وصمة المرض النفسي التي لاحقت العائلة، وفعلاً تم الزواج ولم يمكنها طلب الطلاق».

للأسف حال عائلة «هدى» يمثل نسبة لا يستهان بها من المرضى النفسيين وأسرهم، الذين يخافون من الاعتراف بوجود المرض النفسي خوفاً من الوصم الذي سيلاحقهم والصورة الذهنية التي ما زالت ترتسم في الأذهان بأن المريض النفسي «مجنون» يجب تجنبه، وقصر أي تعاملات مادية أو اجتماعية معه، كأنه سُبة!، فعلى الرغم من التقدم العلمي الهائل الذي غيّر نمط الحياة في المجتمعات العربية ومنها مصر، إلا أن مفهوم قبول المرض النفسي باعتباره مجرد «مرض» يحتاج علاج وليس وصمة، ما زال يخطو خطوات وليد متعسر، وليس خطوات كبيرة تتناسب مع انتشار العيادات النفسية الكثيرة والمدارس العلاجية المتنوعة في مصر والعالم العربي.

وفي هذا التحقيق الذي يُعد الحلقة الثانية في سلسلة تحقيقات عن المرض النفسي، تحاول «الوطن» سبر أغوار حياة المرضى النفسيين والحديث معهم عن آلام الوصم، لمعرفة هل صار لدي المجتمع تقبل لفكرة المرض النفسي؟، أم ما زالت نظرة الوصم موجودة تجاهه؟، تلك النظرة التي تقتل رحلة شفاء المريض في المهد، وتمتلئ بالرفض والسلبية.. وذلك من خلال الحديث مع مرضى نفسيين وعائلاتهم، وعرض آراء أطباء علم النفس والاجتماع والإعلام والدين، مع تقديم تجارب لمبادرات حاولت كسر الصورة النمطية للمرض النفسي ومحاربة فكرة الوصم.

تحكي «هدى»، 55 عاماً من محافظة القليوبية، مشاهد من كواليس مرض أخيها الأكبر التي أثرت على حياة الأسرة كلها، قائلة: «في الجامعة تم تشخيص أخي جلال بالذهان وبدأ يتحسن بالعلاج، لكن كلما خطب فتاة، يمر شهر ويحدث فسخ بسبب مرضه، والموقف تطور، والناس بدأت تتكلم علىنا ويقال عيلة الممسوس، وأحياناً عيلة المجنون إللي بيهلوس، وللأسف اتوصمنا كعيلة وبقت حاجة تزعل القلب».

قررت الوالدة، حسبما تحكي «هدى» لـ«الوطن»، البحث عن عروس لابنها في محافظة أخري، وبين أُناس آخرين لا يكون لديهم فكرة عن إصابة أخيها بالمرض النفسي، وكانت «نجوي» طالبة الجامعة صاحبة الـ20 عاماً، العروس المنشودة، ووافقت عائلتها على الزواج بعد انبهارهم بسخاء عائلة «جلال» في الهدايا وتجهيزات عش الزوجية.

لكن المفاجأة بعد الزواج كانت صادمة للعروس الصغيرة: «فرغم أنه في كل زيارة خلال الخطبة، كنا نراقب كلام جلال وحركاته، إلا أنه لم يتم اكتشاف مرضه إلا بعد الزواج، ولأن الطلاق بالنسبة لعيلة نجوي فضيحة، كملت وخلفت بنتين وولد، وأهلي حاولوا تعويضها بكتابة ورث كبير لها بالإضافة لراتب شهري، هو معاش والدي».

لا تنكر «هدى» خطأ والدتها في إخفاء مرض أخيها النفسي عن زوجته، وبررت ذلك بخوف الأم من الوصم الذي بدأ يلاحق أفراد العائلة، فقد كان زواج أخيها ضرورياً حتي يتوقف الجميع عن وصمه بالجنون، وقالت «هدى»: «ماما كانت تري أن زواج جلال معناه أنه بخير أمام أهل البلد، ويفتح الباب لزواجنا نحن شقيقاته البنات بعد مسح الوصم عنا».

واستطردت «هدى» شارحة: «والدتي كانت ترغب في حماية أخي مهما كانت الطريقة، واعتقدت أنها بالزواج ستوفر شخصاً يرعاه إن توفاها الله هي أو أخي الأكبر الذي كان يرعي جلال معها، لكن هذا لم يحدث لأن نجوي أصيبت بصدمة كبيرة في أول الزواج وكادت تنهار نفسياً بعد معرفة مرض جلال، فهي ليس لديها خبرة في التعامل مع طبيعة مرض جلال أو كيفية إعطائه الأدوية لو رفض، وللأسف حالة جلال المرضىة تدهورت».

تعتبر «هدى» أن وصم المرض النفسي جرح لا يُشفي مع مرور الزمن بل يظل حياً، وهي تبتسم ابتسامة مليئة بالألم، قائلة: «التطور والوعي بخصوص قبول المرض النفسي إللي البعض بيروج إنه انتشر، بقي عبارة عن إن الناس بتبص لنا نظرة شفقة بعد ما كانت نظرة قرف، ويقولوا ربنا يشفيه ويمصمصوا شفايفهم بعد ما كانوا بيتريقوا علىنا».

صفاء: ماحدش رحم ضعفي

ولا تتوقف حكايات المعاناة من الوصم الاجتماعي للمرض النفسي، عند حد، فرغم مرور السنوات التي تكاد تصل إلى 30 عاماً، إلا أن «صفاء»، وهو اسم مستعار، لم تغفر لعائلة زوجها وصمها بالجنون بعد اكتشاف إصابتها بمرض نفسي، وهو «طيف الذهان»، بجانب سوء المعاملة، سواء بالسخرية من مرضها، أو دفع زوجها لطلاقها باعتبارها «ست خُلل»، وأخيراً فضحها وسط الجيران وكأن مرضها عار يجب أن تخجل منه. تحكي «صفاء»، ربة منزل، لـ«الوطن» رحلة وصمها المليئة بالألم، قائلة: «لو مرضى النفسي كان مؤلم مرة فالوجع إللي شفته على إيد عيلة جوزي من تريقة وبهدلة بسبب مرضى مؤلم ألف مرة، وهما بيتريقوا رغم إنهم ليهم يد في الإصابة بمعاملتهم الصعبة».

«صفاء»: أصابني اكتئاب ما بعد الولادة وعيلة زوجي اكتشفوا مرضى بعد سنتين من العلاج واتعرضت لوصم وسخرية وتنمر أكبر بكتير من طاقتي واستحملت علشان ولادي

وتضيف «صفاء»، 60 عاماً، عن تفاصيل مرضها، الذي كان من الممكن اكتشافه مبكراً لولا «الجهل» المحيط بها: «تزوجت في بيت عيلة، وبعد زواجي بأيام ظهر الوجه الآخر لعائلة زوجي من معاملة سيئة وكلام مسيء، وأخيراً تهدىدهم بأن يعملوا لي عملاً وأسحاراً، وهذا حدث في وقت كنت فيه ضعيفة نفسياً، لأني حملت من أول يوم جواز، واكتشفت حملي التاني وأنا لسه والدة بنتي الكبيرة، فجالي اكتئاب ما بعد الولادة، ومع المعاملة السيئة اللي بشوفها، والجهل المحيط بيّا محدش فكر إني محتاجة دكتور نفسي أو إني أروح مستشفي نفسية، فالاكتئاب اتطور واتحول لهلاوس إني بحس إن فيه ناس عايزة تقتلني».

من المشاهد التي لا تنساها «صفاء» في رحلة مرضها عندما كانت تضرب بناتها بشدة و«تجرهم من أرجلهم» على الأرض، ومشهد آخر وهي تصرخ وتضرب رأسها في الحائط حتي تنزف، رغبة في إسكات الهلاوس التي تحاصر تفكيرها، فبدأت عائلة زوجها تتهمها بالجنون، والبعض الآخر يؤكد أنها «ممسوسة» من الجن، فاقترحت شقيقة «صفاء» الذهاب إلى طبيب باطنة لمعرفة سر انهيارها، فأحالها إلى طبيب نفسي، ووقتها ظهرت الحقيقة جلية وهي إصابة «صفاء» بالمرض النفسي.

تقول «صفاء» لـ«الوطن»: «أختي ودتني لدكتور نفسي، وإداني أدوية وبقيت أحسن، وبالصدفة عيلة زوجي اكتشفوا مرضى بعد سنتين من العلاج، رغم إني حاولت أخبي الموضوع، وللأسف وقتها اتعرضت لوصم وسخرية وتنمر أكبر بكتير من طاقتي، بس استحملت علشان ولادي التلاتة».

رغم ذلك كان زوج «صفاء» هو الداعم الحقيقي لها في رحلتها، بحسب كلماتها: «جوزي الله يكرمه كان دايماً ييجي في صفي لما حد يتكلم علىّا أو يطلبوا منه يطلقني، بس عمري ما نسيت ولا ولادي نسيوا اللي شافوه واللي اتعرضوا ليه من أهل جوزي بسبب حالة أمهم، ودايماً بقول عند الله تجتمع الخصوم، وربنا هياخد لي حقي أكيد، لأني ست وضعيفة وهما مرحموش ضعفي ولا رحموا عيالي».

ابتسام.. فضيحة للعائلة

وبينما يجد بعض المرضى النفسيين من يحنو علىهم من أفراد العائلة أو الأقارب، كان حال «ابتسام»، 40 عاماً، أقسي من أن يحتمل، فقد واجهت مرض الذهان وحدها، وكان الشارع ملاذها بعد هروبها من عائلتها، فنوبات مرضها كانت شديدة مما تسبب في شعور عائلتها باليأس من علاجها، وبدأ بعضهم استخدام العنف ضدها، مثل «ربطها بحبل من رقبتها» أو حبسها لأيام داخل غرفتها، أملاً في إسكات نوبات مرضها التي تتسبب في فضحهم وسط الجيران والأقارب.

كلمات غير مفهومة تنطق بها «ابتسام» بينما يبدو الخوف في صوتها وهي تصف عائلتها «عايزين يقتلوني.. بيتفقوا علىّا»، تلتقط شقيقتها «ملك» التي تجلس بجانبها طرف الحديث لتروي تفاصيل إصابة شقيقتها بمرض «الذهان» في سن المراهقة، وبعد طلاق والديهما زادت حدة المرض لشعور ابتسام بالوحدة والنبذ: «للأسف ماما وجوزها مستحملوش مرض أختي، كانت بتقعد تصوت وتلم الجيران، وبتعمل مشاكل كبيرة، ومحدش عارف يتعامل معاها واتوصمنا بأننا عيلة المجنونة».

شقيقة «ابتسام»: زوج أمي لم يوافق على بقاء أختي في بيته.. وأبي لم يتحمل مرضها ورأي أنها سببت له العار فأودعها في بيت جدي والأخير كان يربطها

في النهاية أرسلت الأم «ابتسام» للعيش مع أبيها والاكتفاء بتربية «ملك»، وفي بيت الوالد لم يكن الوضع مختلفاً، فاستمرت الأزمات، ورغم إرسال ابتسام للعلاج في المصحات المختلفة، إلا أنها بمجرد خروجها كانت توقف الدواء فتزداد حدة مرضها، تقول «ملك»: «الهلاوس زادت على أختي، وكان يهيأ لها أن الجميع يريد قتلها، وهربت من بيت أبي أكثر من مرة، فيقوم أهل الخير بإرجاعها، ولم يتحملها أبي الذي رأي أنها تسببت له بالعار وسط الأقارب، فأودعها في بيت جدي».

تصمت «ملك»، فالجد كبير في السن وغير قادر على تفهم طبيعة مرض «ابتسام»، فعندما هاجمته بيدها، حبسها في غرفة بداخل قفص لأسابيع، وربطها من رقبتها بحبل خلال تناول الطعام لضمان عدم تهجمها على أي شخص. تمسح «ملك» دموعها وتقول: «كنا نخاف علىها ومنها، نخاف من تهجمها وأنها قد تقتل جدي، وفي نفس الوقت خائفين علىها من الشارع وأذاه، ومش هانكر جدي كان بيضربها، وساعات بيسيبها تصرخ بالأيام جوه الأوضة».

لم تتحمل ابتسام الأذي النفسي، فهربت من الإسكندرية إلى القاهرة، وصار الشارع بيتها والرصيف سريرها، تتسول الطعام من المارة، ولاحظتها مجموعة من المغتربات فقمن بتوصيلها إلى جمعية أهلية متخصصة في حقوق المرأة، تستطرد «ملك» الحديث: «تواصلت الجمعية معنا، وتأكدوا من خلال الروشتات من طبيعة مرض ابتسام، حاولنا تسلمها، ولكنها رفضت فأخذناها بالعافية، وبعدها هربت مرة أخري، لكن أبي وأمي استسلما ولم يبحثا عنها فقد يئسا من علاجها، وأنا فقط من أتواصل معها».

تواصلت «الوطن» مع الجمعية، لكن رفض المسئولون الإفصاح عن اسمها خوفاً من المساءلة القانونية، وقالت مسئولة بالجمعية، رفضت ذكر اسمها: «وجدنا ابتسام في وضع صعب، بلا طعام أو شراب، وبدا علىها أنها غير متزنة نفسياً، فعرضناها على طبيب نفسي، وأكد تعرضها للتعذيب البدني، ونصح بعدم عودتها للبيئة التي كانت تعيش بها خوفاً من ارتكاب جريمة، واحتياجها رعاية تتناسب مع طبيعة مرضها، وأبلغنا أهلها بهذه التفاصيل عندما تسلموها، لأننا نريد الالتزام بالقانون، وبعدها فوجئنا بهروبها من أهلها وعودتها للجمعية، فخفنا أن تهرب مرة أخري، وتم إيداعها بدار رعاية فيها أخصائيون نفسيون، ولا ننكر اهتمام أهلها بعلاجها، لكن العلاج ليس مجرد دواء بل رعاية نفسية واجتماعية، وتحمل المريض في أصعب حالاته حتي لو تسبب في وصم اجتماعي، لأن المرض النفسي يصيبه غصباً عنه».

«مينا» و«اضطراب ثنائي القطب»

على عكس الحالات السابقة، عندما علم مينا ميلاد، 26 سنة، من المنيا، إصابته بـ«اضطراب ثنائي القطب» لم يخش مواجهة من حوله، بل تجاوزت شجاعته كل الحدود ونشر محتوي عبر وسائل التواصل الاجتماعي يتحدث فيه عن مرضه وأهمية الوعي بالمرض النفسي، مؤكداً أن وصم المريض النفسي موجود بكثافة في المجتمع، والتصدي له هو الوسيلة الوحيدة لتحجيمه.

«مينا»: أهلي طلبوا مني عدم الحديث عن مرضى خوفاً من كلام الناس.. وأول استجابة منهم كانت الذهاب للكنيسة.. والمواجهة وعدم الخجل هما الحل

أُصيب «مينا» بالمرض في المراهقة، عندما هاجمته أسئلة وجودية عن معني الحياة، وتعرض للهجوم ممن حوله بسبب طبيعة أسئلته، وهو ما يحكي عنه، قائلاً: «في 2020 تعاظمت الضغوط النفسية من الرافضين لأي سؤال أحاول به فهم معني الوجود، أو بسبب المشاجرات الأسرية المستمرة، فدخلت في نوبة صعبة من الهلاوس شخصها أول طبيب نفسي «فصام»، ومع تكرر النوبات ذهبت لطبيب آخر شخصني باضطراب ثنائي القطب».

تباينت ردود فعل أقارب «مينا» على مرضه النفسي، حسبما يضيف: «أنا مدين لأخي الأكبر الذي تفهم منذ اليوم الأول أنني بحاجة لطبيب نفسي، بينما لم يفهم بقية أفراد أسرتي حجم ألمي، وكانت أول استجابة منهم الذهاب للكنيسة وعرضي على بعض قساوستها»، بينما أصر هو على الحجز مع طبيب نفسي بالقاهرة.

«الوصم الاجتماعي» كان حاضراً في رحلة «مينا»، فعدد من الأصدقاء قطعوا علاقتهم به بعد إعلان مرضه، لكنه تعامل مع الوصم من خلال «تقبل مرضه وعدم الخجل منه، وتجاهل من يصمه»: «أنا متصالح مع مرضى ولا أخجل منه، والسبب أني تعلمت من تجربة مرضى الكثير، بل لا أخاف إذا قلت إنها شكلت شخصيتي وساعدتني على فهم نفسي، وبالنسبة لتعاملات الناس فأنا أتجاهل من يصم المريض النفسي، ولا يهمني صورتي الخارجية أمامهم، بل بالعكس أتكلم بحرية ودون خوف عن مرضى، وقلقي الوحيد هو إيجاد شريكة حياة تقبل بي وبظروف مرضى».

قبول «مينا» لمرضه كان دافعه للتوعية بمفهوم المرض النفسي عبر «السوشيال ميديا»، وهو ما يقول عنه: «لجأت للكتابة عن المرض النفسي من خلال تجربتي لتوعية الناس وتعريفهم بأهمية العلاج النفسي، فالمرض النفسي منتشر وأي إنسان قد يمر بهذه الاضطرابات، ودوماً أؤكد أن أول خطوة في حال وجود مريض نفسي في أي بيت، هو الذهاب لطبيب نفسي فقط، والابتعاد عن الدجالين وغير المتخصصين، وعدم الاقتصار على الذهاب لرجال الدين».

القاهرة تختلف عن المحافظات

بالرغم من وجود الكثير من الأطباء النفسيين «الشاطرين» في مصر، بحسب الدكتورة «هالة يسري»، أستاذ علم الاجتماع، فإنه ما زال هناك وصم للأمراض النفسية: «والسبب في ذلك أن هناك اختلافاً في الثقافة والبيئة والتعلىم بين جموع المصريين، فمن يعيش في القاهرة تختلف ثقافته عن الذي يعيش في الصعيد أو محافظات الدلتا، وكلما ابتعدنا عن العاصمة، زاد الوصم».

وشرحت «هالة» آثار الوصم اجتماعياً، قائلة: «كثير من سكان المناطق ذات المستوي التعلىمي والثقافي المنخفض يتعرضون لأزمات نفسية ولا يفُصح عنها خوفاً من الوصم، بل قد يرفضون العلاج، وحتي العائلات التي لديها طفل من ذوي الإعاقة الذهنية أو النفسية تخاف الاعتراف بوجوده، بل أحياناً يخفون هذا الطفل داخل غرفة في المنزل لسنوات حتي لا يتعرضوا للوصم أو التنمر، وهؤلاء لا نملك إلا التعاطف معهم لمعاناتهم في صمت».

«المناطق الريفية أو الشعبية في مصر هي البيئة الخصبة للوصم النفسي»، بحسب أستاذ علم الاجتماع، «فلا وجود هناك لمفهوم المرض النفسي، وأي تعب نفسي علاجه اتهام المريض بأنه يسكنه جن»، قائلة: «في مرة شاهدت حالة علاج مريض نفسي بالضرب على يد دجال، بحجة إخراج الجن من جسده، لذا فالمناطق الريفية والشعبية لا تتفهم فكرة المرض النفسي».

ومقاومة ثقافة الوصم الاجتماعي للمرض النفسي في تلك المجتمعات، بحسب «هالة»، تكون برفع الوعي بمفهوم «المرض النفسي» واختلافه عن المرض العضوي، وأنه يعد أخطر، فتأثيراته السلبية لا تقف عند المريض بل تمتد إلى دوائره من العائلة أو الأقارب ثم المجتمع كله، والتوعية تكون بفيديوهات تُنشر في وسائل الإعلام، فتصل لمختلف سكان مصر، كذلك عقد الندوات في أماكن التجمعات: «لا بدَّ من حصر الأماكن التي يزيد بها نسب الإصابة بالمرض النفسي، وتكون لها الأولوية في نشر التوعية والعلاج، وأنا لا أتكلم عن الدور الحكومي فقط، بل الجمعيات الأهلية المتخصصة في العلاج النفسي».

أما الوسيلة الثانية والأهم فهي «المساندة الاجتماعية»، بحسب أستاذ علم الاجتماع: «فكرة المساندة الأسرية من كل أفراد الأسرة والأقارب، وكذلك المساندة الاجتماعية من جانب البيئة المحيطة بالمريض، فالإفصاح عن المرض النفسي والإصابة به للمحيطين بحسب الدراسات يساهم في الشفاء من المرض سريعاً».

دور الإعلام

خبير: الإعلام و«السوشيال ميديا» ساهما في تقليل نسب وصم المرض النفسي لكن يجب عدم تركهما لكل من «هب ودب»

«السوشيال ميديا» والإعلام بكل أذرعه، من وجهة نظر الخبير الإعلامي «خالد البرماوي»، أحد الأسباب التي ساهمت في تخفيف حدة نظرة الوصم الاجتماعي للمرضى النفسيين، ودلل «البرماوي» على كلامه بأن مصطلح «الاكتئاب» على سبيل المثال صار مقبولاً في أوساط لم نكن نتخيل وجودها مثل بعض الأقاليم: «فهناك تطور إيجابي في قبول المرض النفسي في المجتمع حتي لو كان بنسبة صغيرة، وهناك فضل للإعلام في ذلك التغيير».

والوصم الاجتماعي للمرض النفسي، بحسب «البرماوي»، ما زال موجوداً، ولكن شكل التعامل معه وقبوله اختلف قائلاً: «هناك تطور في التعامل مع مفهوم المرض النفسي، يمكن وصفه بالتحسن، فمثلاً ربط الأمراض النفسية بالجنون قلَّ مقارنة بالماضي، وهناك تطور إيجابي من ناحية إدراك طبيعة الأمراض النفسية، ومع ذلك لا أستطيع القول إن الوضع مثالي، بالعكس ما زال أمام المجتمع رحلة طويلة لعلاج القصور في المفاهيم المنتشرة بشأن الوصم النفسي».

أولي نقاط القصور، من وجهة نظر «البرماوي»، التي تُسبب وصم المريض النفسي، هي منظومة التعلىم التي يجب أن تتعامل بشكل أكثر جدية وعلمي مع مفهوم المرض النفسي وعلاجه، خاصة أن أغلب المجتمع من الشباب، وهذا العمر هو أكثر الأعمار خوضاً لصراعات نفسية وتعرضاً لأزمات في محاولات إثبات الذات وإيجاد الهوية الشخصية وبناء مستقبله المهني، لذا فالتوعية بطبيعة المرض النفسي وأهمية نبذ الوصم من خلال نظم التعلىم ليست رفاهية.

لكن من ناحية أخري، فإن ترك «السوشيال والديجتال ميديا» ساحة لكل من «هب ودب» للحديث عن المرض النفسي، كان له دور سلبي، حسبما يقول «البرماوي»: «تلك الوسائل الإعلامية مهمة في التوعية بأهمية العلاج النفسي والصحة النفسية، لذا من الضروري مقاومة أي محتوي سلبي يظهر عن المرض النفسي وتوعية الناس بخطورة هذه الرسائل الإعلامية الضارة، بوضع قواعد صارمة تمنع أي شخص من الحديث عن المرض والعلاج النفسي على «السوشيال ميديا» سوي المتخصص الحاصل على رخصة مهنية».

مربع الخطر

«للأسف وصم المرض النفسي موجود وبعنف لكل أنواع المرضى النفسيين»، بهذه الكلمات بدأ الدكتور محمد حسن خليل، منسق لجنة الدفاع عن الحق في الصحة، الحديث، مؤكداً أن المجتمع المصري يعاني من عدم تقبل لفكرة المرض النفسي، والأسباب كثيرة، منها انخفاض نسبة التحضر، وارتفاع نسب الأمية الكتابية والثقافية، وغياب تقدير مفهوم العلم.

«اللجوء للخرافات» أبرز آثار الوصم، بحسب الدكتور «خليل»، فحتي الآن يتم الاعتماد على المشعوذين والدجالين في علاج بعض المرضى النفسيين: «للأسف جزء من مجتمعنا ما زال لا يقتنع بالعلم كمرجعية، ونسبة من المرضى النفسيين يرون العطار ووصفاته البلدي والدجالين أفضل من الطبيب، وفي هذا المناخ يزيد الوصم، حتي في الأوساط المتعلمة والمثقفة، لأنها تتأثر بالعادات والتقاليد والأعراف المتوارثة التي لا تري أهمية المرض النفسي وعلاجه».

روشتة «خليل» للقضاء على وصم المرض النفسي، هي إصلاح ما يسميه بمربع الخطر في مصر، وأضلاعه هي «التعلىم، والصحة، والإعلام، والثقافة»، وقال: «أول وسيلة للقضاء على وصم المرض النفسي يكون من خلال فهم أسبابه والتحرك لحلها، فلا بدَّ من نشر الوعي بأن المرض النفسي مثل المرض الجسماني، له أعراض وأسباب وأطباء متخصصون فيه، وذلك يحدث من خلال تطوير التعلىم».

منسق «الحق في الصحة»: وصم المرض موجود وبعنف.. والقضاء علىه يكون بتطوير التعلىم والثقافة والإعلام والصحة

وعلى مستوي الصحة، بحسب «خليل»، يجب زيادة وعي الأطباء مهما كانت تخصصاتهم بأساسيات الطب النفسي، لكي يتمكنوا من تحويل المريض إلى طبيب نفسي إذا استدعي الأمر، ولا بدَّ من توفير تأمين صحي شامل لكل الأمراض النفسية يناسب المواطنين ذوي الطبقة المتوسطة والدخل المحدود، وهو ما يسهل العلاج.

واعتبر «خليل» أن الإعلام أخطر الأضلاع، لأن دوره كبير في مقاومة الوصم النفسي، إلا أن هناك تقصيراً في هذا الدور بسبب التركيز على المواد الترفيهية مقارنة بالمواد الثقافية والعلمية، متسائلاً باستنكار: «لماذا لا توجد برامج توعوية نفسية تظهر على التلفاز حتي الآن؟!».

الخطوة الأخيرة لمحاربة وصم المرض النفسي، بحسب «خليل»، هي تثقيف المواطنين علمياً، مؤكداً وجود أمية ثقافية كبيرة بالرغم من انتشار التكنولوجيا بشكل واسع، وسهولة الوصول لأي محتوي علمي، ولكن للأسف صار المحتوي الرث والتافه هو ما يجذب الناس أكثر من المحتوي العلمي، حسب قوله.

ورغم ذلك، أكد الدكتور «حسن» أن هناك أملاً، قائلاً: «لديَّ أمل في القضاء على وصم المرض النفسي من خلال مبادرات إيجابية لنشر الوعي بأهمية الطب النفسي، ونشر القيم الإيجابية وأبرزها أهمية العلم».

القانون في صف المريض


أستاذ قانون: هناك 3 مستويات قانونية مختلفة تُجرم وصم «المرضى» والاعتداء الاجتماعي علىهم «جريمة تنمر» عقوبتها الغرامة أو الحبس

القانون المصري في صف المريض النفسي، حسبما يؤكد الدكتور مصطفي سعداوي، أستاذ القانون الجنائي، حيث «لا يسمح بأي خطوة تُسبب وصمة للمريض أو تضر بسمعته». ويقول «سعداوي»: «المشرِّع المصري قدر المرضى النفسيين، وعظم من فكرة الاعتداء الاجتماعي علىهم، واعتبرها جريمة تنمُّر يعاقب علىها القانون، وتستحق غرامة أو الحبس أحياناً لمدة عام».

وأوضح «سعداوي» أن القانون المصري به 3 مستويات مختلفة تُجرم وصم المرض والمريض النفسي، المستوي الأول هو قانون تنظيم الصحة النفسية، رقم 71 لسنة 2009، وينص على أنه من حق المريض الحصول على رعاية بلا تمييز على أساس العمر أو الجنس أو نوع المرض وتحمي خصوصيته، وتمنع عنه أي وصم.

أما المستوي الثاني، بحسب سعداوي، فموجود في قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة رقم 10 لسنة 2018 في المواد رقم 1، 2، 3 وينص على حماية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وتعزيز كرامتهم، ووضح القانون الأشخاص ذوي الإعاقة بأنهم ممن لديهم «قصور نفسي أو ذهني أو عقلي»: «وهنا يُجرم القانون التمييز أو التنمر أو الإساءة ضد ذوي الإعاقة، والإعاقة تشمل الإعاقات النفسية إذا كانت مُثبتة طبياً».

ويبقي المستوي الثالث، بحسب «سعداوي»، وهو التعديل الذي تم في قانون العقوبات رقم 189 عام 2020، حيث تمت إضافة المادة 309 مكرر والتي تفرض عقوبة الحبس والغرامة على كل من يمارس تنمراً، أو يستغل ضعف المواطن صحياً أو عقلياً ويمارس علىه سخرية أو تخويفاً أو إقصاء اجتماعياً، وقال «سعداوي»: «القانون يقف بالمرصاد، لكل من يرتكب جرائم أخلاقية ضد المرضى النفسيين ويطلق علىها الوصم».

ويوضح «سعداوي» أن هناك نوعين من وصم المريض النفسي، النوع الأول «الشفاهي» الذي يحدث بالكلام، والجهة المسئولة عن التحقيق فيه النيابة العامة، وإذا ثبتت الجريمة يتم التحويل للمحكمة. أما النوع الثاني فهو «الوصم الإلكتروني» ويكون عبر الوسائط الإلكترونية، وهنا يمكن للمريض أو شخص من عائلته أن يقدم بلاغاً لمباحث الإنترنت بأنه تعرَّض للتنمر بسبب مرضه النفسي، مع الأدلة، وإذا تم إثبات الأمر يأخذ القانون مجراه وقد يأخذ المتنمر حكماً رادعاً.

وأكد «سعداوي» حرص الـمُشرِّع المصري على الدعم الكامل للمرضى النفسيين، فمثلاً لو شخص يعمل في مكان حكومي، وأصيب بالمرض النفسي، فلا يجوز استبعاده أو فصله، فهو في عرف القانون مريض ومن حقه إجازة مرضىة حتي يُشفي، وأضاف: «لم يكتفِ القانون بذلك، فالمريض النفسي لو محبوس ومقام ضده دعوي جنائية يتم إيقاف الإجراءات القانونية من حيث المحاكمة أو الحبس ويتم اتخاذ الإجراءات الصحية اللازمة لحين شفائه، فالقانون يتصدي بكل قوة للوصم الاجتماعي وحريص على صالح المريض النفسي».

الدين يرفض الوصم

أمين «الفتوي»: من الأخطاء الشائعة اختزال المرض النفسي في كونه ضعفاً في الإيمان.. والمرض النفسي له أسبابه المتعددة

ولم يختلف رأي الدين عن رأي العلم في أهمية العلاج النفسي ومقاومة الصورة النمطية للمرض النفسي التي تصم المريض وتذمه بأوصاف مؤلمة في بعض الأحيان، بحسب الشيخ «محمود خالد الطحان»، أمين الفتوي بدار الإفتاء المصرية، الذي يؤكد أن الحديث عن أهمية الصحة النفسية لم يعد ترفاً فكرياً، بل ضرورة إنسانية مُلحة، في ظل ما يعانيه كثير من المرضى من نظرة مجتمعية قاسية، تحوِّل معاناتهم إلى وصمة، وتضيف إلى ألمهم ألماً آخر. ويقول «الطحان»: «هنا يبرز دور الدين في تصحيح هذا الخلل، والذي يؤكد على أهمية صيانة كرامة الإنسان، كما أنه لم يُفرِّق بين مريض بمرض عضوي أو نفسي؛ ونهي صراحةً عن كل صور السخرية والاحتقار». وأكد «الطحان» أن وصم المريض النفسي وإيذاءه، ولو بالكلمة، من صور الظلم المحرَّم، ونهي النبي عنها، وأن التقليل من شأن الإنسان أو وصمَه بسبب مرضه، سلوك يتنافي مع جوهر التدين، موضحاً: «التدين الصحيح لا يجرح المريض بل يعينه على التعافي، وحين نفهم ذلك، نكون قد خطونا خطوة حقيقية نحو مجتمع أكثر رحمة وعدلاً وإنسانية». ومن الأخطاء الشائعة، بحسب «الطحان»، اختزال المرض النفسي في كونه ضعفاً في الإيمان أو بُعداً عن الله، قائلاً: «ذلك تصوُّر يجانبه الصواب؛ فالمرض النفسي له أسبابه المتعددة، ولا يتعارض ذلك مع الإيمان، والاقتصار على العلاج الروحي وترك العلاج الطبي المتخصص يُعد خللاً في الفهم؛ فالإسلام دعا إلى التداوي، وأرشد إلى الأخذ بالأسباب، ومن ثم فإن الجمع بين العلاج النفسي المتخصص والدعم الإيماني والروحي هو المنهج المتكامل الذي يحقق الشفاء». وحذر «الطحان» من انتشار الوصم الاجتماعي للمرض النفسي، مؤكداً أنه لا يضر المريض وحده، بل يهدد تماسك المجتمع كله؛ لأنه ينشر الخوف، ويمنع كثيراً من طلب العلاج، فمسئولية مواجهة هذه الظاهرة لا تقع على الأفراد فقط، بل هي مسئولية مشتركة بين الأسرة، والمؤسسات الدينية، والإعلام، والتعلىم.

مبادرة للتوعية

نشر التوعية بالصحة النفسية وفهم طبيعة المرض النفسي بعيداً عن الوصم كان أولوية الدكتور «أحمد أبوالوفا»، استشاري الطب النفسي، من خلال إطلاق مبادرة «بالعربي- التوعية النفسية باللغة العربية» منذ أكثر من 9 سنوات.

يقول «أبوالوفا» لـ«الوطن»: «دورنا إرشاد المرضى النفسيين للمساعدة النفسية دون حرج أو خوف، فمقاومة وصم المرض النفسي أحد أهداف مبادرة «بالعربي»، إلى جانب شرح مفهوم المرض النفسي، وطبيعته، وأنواعه، وأسبابه»، موضحاً في الوقت نفسه أن: «وصم المرض النفسي موجود ليس في مصر فقط، بل في العالم كله، ولا يضغط على المرضى النفسيين فقط، بل مُقدمي الخدمة النفسية أنفسهم».

بداية إطلاق المبادرة، بحسب دكتور «أحمد»، كانت عام 2017، حين رأي أن دوره كطبيب نفسي يتخطي حدود العيادة الخاصة لتغيير الصورة النمطية عن المرض النفسي: «في هذه الفترة تواصل معي مسئولو الفيس بوك، باعتباري من أهم 400 شخص مؤثر على السوشيال ميديا في مصر، واتفقنا على حصولي على دعم مادي رمزي لمدة عام مقابل استمرار نشر فيديوهاتي عن الصحة النفسية، فاستخدمت المال لإطلاق مبادرة هدفها نشر الوعي بأهمية الصحة النفسية على مستوي مصر كلها، من خلال فيديوهات مصوَّرة يشارك فيها مختلف الأطباء النفسيين».

حققت المبادرة انتشاراً واسعاً، بحسب الدكتور «أحمد»، وأنتجت 150 فيديو، وحققت ما يزيد على 3 ملايين مشاهدة، وبعد انتهاء التعاون مع الفيس بوك، قرر مع بقية زملائه استمرار التوعية من خلال ندوات شهرية في ساقية الصاوي، ومؤخراً تم تحويل المبادرة إلى منصة تعلىم إلكتروني اسمها «بالعربي دوت كوم».

من أفكار الوصم التي تحاربها المبادرة بقوة، بحسب «أبوالوفا»، سيطرة الأفكار والتقاليد التي تري أن المرض النفسي «دلع أو بُعد عن ربنا»، قائلاً: «لا بد من وجود صوت آخر يوضح طبيعة المرض النفسي وأن سببه طبي بحت، أي جينات، فالوصم ليس مُنتشراً فقط في الطبقات المحدودة تعلىمياً أو اجتماعياً، ولكن للمفارقة اكتشفت الدراسات العلمية انتشاره في كل الطبقات بلا استثناء، فرغم وجود الوعي بأهمية العلاج النفسي إلا أن وجود المعلومة لا يعني بالضرورة وصولها لكل الناس، فالعادات والتقاليد ما زالت تؤثر على عقول الناس».

وحذر «أبوالوفا» من الآثار السلبية للوصم الاجتماعي للمرض النفسي، مشيراً إلى أنها ضخمة ويكون لها تجليات أخري على صعيد العنف الأسري، والعنف ضد النساء، والإدمان، والتفلت من العمل، والتسرب من التعلىم، وغيرها.

وأوضح أنه رغم الجهود المكثفة، الرسمية والمدنية، لمواجهة وصم المرض النفسي، إلا أنه: «للأسف تغيير المجتمع وثقافته يحتاج عشرات السنين، فما تفعله وزارة الصحة من جهود بجانب الجهود الفردية للأطباء النفسيين لمقاومة الوصم لن تظهر آثاره مباشرة، والأهم الاستمرار في تلك الجهود بانتظام».

تحدٍّ محلي وعالمي

قضايا الصحة النفسية من الملفات التي توليها وزارة الصحة والسكان اهتماماً كبيراً، بحسب الدكتور حسام عبدالغفار، المتحدث الرسمي باسم الوزارة، وعلى رأسها الوصم النفسي والاجتماعي للمرضى النفسيين، قائلاً لـ«الوطن»: «الوصم النفسي يُعد تحدياً اجتماعياً عالمياً، وتعمل الوزارة على مواجهته كجزء من استراتيجيتها لتعزيز الصحة النفسية».

من أسباب انتشار وصم المرض النفسي، بحسب «عبدالغفار»، نقص الوعي بأهمية الصحة النفسية، وتأثير ذلك سلبياً على المرضى النفسيين، إذ يدفع بعضهم إلى تجنب العلاج خوفاً من الوصم، لكن «في إطار حملات الوزارة للعناية بالصحة النفسية، نحاول نشر فكرة أن طلب العلاج النفسي هو جزء طبيعي من العناية بالصحة، تماماً كعلاج الأمراض الجسدية، والتأكيد على أن طلب العلاج النفسي والبحث عنه من قبَل المريض خطوة شجاعة تعكس وعياً بالذات».

متحدث «الصحة»: نولي اهتماماً كبيراً بالصحة النفسية ونعمل على دمج خدماتها ضمن «الرعاية الأساسية».. وهي الخطوة الأقوي لمقاومة الوصم

ويؤكد المتحدث باسم «الصحة» أن «مقاومة الوصم الاجتماعي لمريض الصحة النفسية، هي قضية تعمل علىها وزارة الصحة ليل نهار، وذلك بالتعاون مع الأمانة العامة للصحة النفسية وعلاج الإدمان، ومن خلال جهود متعددة، أولها إطلاق حملات توعية مكثفة تستهدف مختلف شرائح المجتمع لتسليط الضوء على أهمية الصحة النفسية ودور العلاج النفسي في تحسين جودة الحياة، قائلاً: «نقاوم الوصم الاجتماعي للمرض النفسي كمفهوم وفكرة، قبل أن يكون فعلاً، وذلك من خلال تنظيم ورش عمل وبرامج توعية في المدارس، والجامعات، وأماكن العمل».

بالإضافة لما سبق «هناك إدراك لأهمية وسائل الإعلام وقوة تأثيرها في نشر الوعي بأهمية الصحة النفسية والعلاج النفسي»، لذا فالخطوة الثانية بحسب «عبدالغفار»، هي: «استخدم وسائل الإعلام، وخصوصاً المنصات الرقمية ذات الانتشار الواسع بين الشباب، لنشر رسائل إيجابية حول طلب العلاج النفسي».

وبالتوازي مع ما سبق، حسبما يضيف «عبدالغفار»: «أطلقت الوزارة أيضاً الخط الساخن للصحة النفسية، بهدف تقديم خدمات استشارية بسرية تامة، مما يساهم في تقليل الوصم»، كما سعت الوزارة لتعزيز الحوار المجتمعي حول مفهوم وصم المرض النفسي، من خلال التعاون مع منظمات المجتمع المدني، بهدف القضاء على هذا الوصم»، وللوصول لأكبر عدد من المواطنين.

أما أهم خطوة في سبيل مقاومة الوصم الاجتماعي للمرض النفسي، حسبما يعتقد المتحدث باسم «الصحة»، فهي: «العمل حالياً على دمج خدمات الصحة النفسية في الرعاية الأولية، وهي الخدمات الصحية الأساسية، مثل التأمين الصحي، لتيسير الوصول إلىها، وبالتالي هي الخطوة الأقوي في مقاومة مفهوم الوصم الاجتماعي بل والقضاء علىه».

أستاذ علم الاجتماع: المناطق الشعبية والريفية هي البيئة الخصبة للوصم النفسي.. وبعض العائلات تُخفي أطفالها المرضى لحمايتهم

وما بين الخطط والجهود الرسمية والأهلية للقضاء على الوصم الاجتماعي للمرض النفسي، وما يؤكده الخبراء عن أن تغيير المجتمع وثقافته في هذا الشأن سيحتاج لكثير من الوقت، ستظل معاناة حالات مثل «صفاء وابتسام» مستمرة، حتي يدرك الجميع أن «المرض النفسي»، كأي مرض آخر، له علاج، وليس سجناً نحبس فيه المريض، وربما أيضاً عائلته، ونقرر قتلهم معنوياً في صمت، بلا أي رحمة أو عطف.

1


مواضيع متعلقة