«الشوكة» أسلوب ضبط

أمينة خيرى

أمينة خيرى

كاتب صحفي

الشوكة أسلوب ضبط وربط. وربما أصبحت الوسيلة الوحيدة للتنظيم والإجبار على الالتزام. من يعرفني، يعرف مدى همي واهتمامي بفوضى السير والقيادة في شوارعنا، وهي الفوضى التي تؤدي إلى حوادث قاتلة كان يمكن تجنب وقوع نسبة كبيرة منها، لو كان هناك قدر أكبر من احترام قوانين القيادة والسير. السير العكسي والوقوف والتخطي والركن الخاطئ، والسرعات الجنونية، والسير في خطوط متعرجة، حيث اعتبار التلوي من حارة إلى حارة مرورية مهارة وحنكة وشطارة، والقائمة معروفة.

حيث أسكن، وفي حارة مخصصة للمرور البطيء، وهي حارة اتجاه واحد، وغير مسموح بركن السيارات على الجانبين، ظلت المركبات بأنواعها تصر على السير «رايح جاي» مع توقيف السيارات على جانبي الحارة، وهو ما كان يتسبب في معارك واحتقانات واحتكاكات وخسائر على مدار الساعة. فجأة، تم تزويد الحارة بـ«مطبات الشوكة»، وهي مطبات تحتوي على أشواك حديدية حادة، قابلة للطي، وتسمح بمرور السيارات في الاتجاه الصحيح فقط، حيث تنخفض الأشواك تلقائياً، وتبقى قائمة لدى المرور عكس الاتجاه، فتحدث تلفاً فورياً في إطارات السيارات، وهو ما يجبر السائق على التوقف والالتزام بالسير في الاتجاه الصحيح، وذلك بعد إصلاح إطارات السيارة التي تلفت.

وقد تلفت قواعد، وفسدت أساسيات، وخربت مبادئ عدة في المجتمع على مدار عقود، لأسباب تتعلق بالتعليم والتربية والتنشئة والإهمال، واحتكار ومنع التفكير إلا بإذن مسبق من بشر آخرين، مهمتهم التفكير بالنيابة عنا، وكذلك زحف قوى الرجعية والتطرف لتحل محل قوى العلم والبحث والفن والموسيقى والأدب.

وكل يوم، تطل علينا انعكاسات هذا التلف. وكان بينها كابوس تصوير جنازات الفنانين وذويهم، والذي اختلط فيه حابل التغطية الصحفية بنابل التعدي على الخصوصية، عبر العشوائية والفوضى، واعتبار تصوير فستان فنانة وقميص فنان ولحظة الدفن وبكاء هذا وحزن ذاك، رغم عدم الترحيب بهذا النوع من الوجود من أهل المتوفى، وطلبهم المتكرر بعدم التصوير واحترام خصوصية الأسرة. والغريب العجيب والمريب أن هناك من يدافع عن هذا النوع من «العمل» باعتباره أكل عيش، أو تكليفاً من المدير إلخ. والأدهى من ذلك أن الفنان الذي يفقد أعصابه نتيجة هذا الإصرار على خرق الخصوصية، والتعدي على المساحة الشخصية، وإرباك المناسبة الحزينة التي تتطلب أجواء روحانية لا فوضوية، فيقول أو يفعل «ما لا يليق» يتحول من الضحية إلى الجاني المجرم الذي لا يحترم «الإعلام»، رغم أن الإعلام من هذا الخرق بريء.

على مدار سنوات «عصر تصوير الجنازات قسراً»، كتبت كثيراً عن هذه المهزلة القبيحة. أشرت إلى أن البحث القاتل عن «التريند» أدى إلى تزايد الإقبال على خرق الخصوصية بالعافية، وتفاقم أعداد الشباب والشابات من حاملي الموبايلات في وجوه المعزين والمعزيات. واشتعلت المنافسة التي اعتقدت أجيال شابة أنها «منافسة صحفية». من تمكن من التقاط مقطع للفنان الفلاني وهو يعامل «الصحفيين» بطريقة سيئة أو ينهرهم، والصحفية الشابة فلانة التي أبلت بلاء حسناً في تصوير فستان الفنانة، وغيرها من هذه «الخبطات الصحفية» تشعل نار الغيرة «المهنية» وتؤجج الصراع على مداخل «القرافة» وعلى أبواب دور المناسبات.

وكتبت كثيراً عن مصير الفنان المكلوم المحتوم الذي يجد كل همسة تصدر عنه قيد التسجيل بالعدسات، ويا ويله يا سواد ليله لو أبدى امتعاضاً لهذا التوجه المزري الكريه الدميم المعيب في عالم الصحافة والإعلام.

وعلى الرغم من أن جموع الشباب والشابات الموجودة في محيط الجنازات والعزاءات ربما فعلوا ذلك خضوعاً لسطوة التريند وقرارات فوقية في بعض «المؤسسات»، إلا أن المشهد ظل مثيراً للغثيان. والمثير للغثيان أكثر من المشهد كان دفاع البعض عن هذا القبح، واعتبار الفنان أو الشخصية العامة والأسرة الجهة الباغية المعتدية التي لا تحترم الصحافة والصحفيين.

في اللحظة التي تحول فيها حامل الموبايل إلى جلاد يستخدم العدسة لجلد المعزين وسلخ الفنانين، وتتبع خطوات المشاركين لتقييم درجات الحزن، وأزياء الفنانات بغرض نشرها للسلخ العام، فإنه لم يعد صحفياً، بل لم يعد إنساناً سوياً، ويحتاج «شوكة» تجبره على السير في الاتجاه الصحيح.


ولحسن الحظ أن هذا الإجبار العادل، والتنظيم الحاكم بدأ تنفيذهما مع مراسم تشييع الفنان المحترم الراحل هاني شاكر. تم تشييع الراقي الوقور في أجواء تشبهه. وأتمنى ألا تكون «شدة غربال» أولية، ثم تعود العشوائية القبيحة إلى ما كانت عليه.

التنظيم، وتطبيق القواعد بصرامة وعدل، واحترام القانون، لا سيما حين تدخل المعايير الأخلاقية والسلوكية والإنسانية في حالة موت إكلينيكي، لا تُغضب إلا من تربوا في كنف الفوضى، ونشأوا على تداخل الحق بالباطل.

رحم الله الفنان الراقي، ولتكن الصدقة الجارية على روحه هي استمرار العمل على نظام «الشوكة» لضبط الأوضاع، وردع الفوضى والفوضويين.