«ابني مؤذي وهيضيعها».. حما يقف مع زوجة ابنه في دعوى خلع داخل محكمة الأسرة
«ابني مؤذي وهيضيعها».. حما يقف مع زوجة ابنه في دعوى خلع داخل محكمة الأسرة
كانت آية تجلس على أحد المقاعد الخشبية القديمة داخل محكمة الأسرة، تضم حقيبتها أوراق دعوى طلاقها التي جاءت من أجله منذ الصباح الباكر، وكأنها تحاول أن تتشبث بأي شيء يمنحها الأمان، بينما آثار الكدمات القديمة ما زالت واضحة أسفل عينيها رغم محاولتها إخفاءها بطبقات من مستحضرات التجميل، ولم تكن تنظر لأحد فقط تحدق في الأرض بصمت ثقيل، وكأنها تسترجع في رأسها كل ما أوصلها إلى هذا المكان، فما قصتها التي رؤتها لـ«الوطن».
تفاصيل علاقتهما قبل الزواج
بين الحين والآخر كانت ترفع رأسها نحو باب القاعة، تنتظر النداء على قضيتها، بينما يجلس بجوارها والد زوجها، رجل مسن تجاوز الـ85 من عمره، يتكئ على عصاه ويبدو عليه الإرهاق الشديد، حضر بنفسه ليطلب منها أن تنهي علاقتها بابنه، بعدما عجز عن حمايتها من بطشه.
قالت آية صاحبة الـ25 عامًا بصوت متهدج وهي تمسح دموعها «عمري ما تخيلت إن الراجل اللي يطلب مني أخلع ابنه يكون أبوه نفسه»، وبدأت الحكاية قبل 7 سنوات، حين تعرفت آية على زوجها في إحدى المناسبات وقتها كان شابًا هادئًا، لبق الحديث، يعرف جيدًا كيف يخطف القلوب بالكلمات المعسولة والوعود الكبيرة، وكانت تحلم بحياة مستقرة وأسرة دافئة، بينما كان هو يظهر أمام الجميع كرجل يعتمد عليه.
تكررت اللقاءات بينهما، وتحولت الأحاديث العابرة إلى تعلق سريع، يرسل لها الرسائل الطويلة كل ليلة، يحدثها عن البيت الذي سيجمعهما، وعن الأطفال الذين سيصبحون «نسخة صغيرة منهما»، وعن الحياة الهادئة التي سيمنحها لها، ورغم اعتراضات بسيطة من بعض أفراد أسرتها بسبب عصبيته الزائدة أحيانًا، فإنها تمسكت به بشدة، وكانت ترى أن الحب كفيل بإصلاح أي عيب، وأن الزواج سيغير طباعه للأفضل.
أما هو فكان بارعًا في الاعتذار، كلما غضب أو انفعل يعود محملًا بالورود والكلمات الرقيقة حتى تمحو أخطاءه سريعًا، تمت الخطبة وسط أجواء مليئة بالفرحة، وبدأت آية تتنازل شيئًا فشيئًا حتى لا تخسره وتنازلت عن شبكة كانت تتمناها، وتغاضت عن تدخلات والدته المستمرة، وتجاهلت طريقته الحادة أحيانًا في الكلام، وكانت تقنع نفسها دائمًا بأن كل الرجال يتغيرون بعد الزواج وأن الاستقرار سيجعله أكثر هدوءًا.
في الشهور الأولى من الزواج بدا كل شيء مثاليًا، وكان يصطحبها للتنزه، يلتقط لها الصور، ويعاملها بحنان أمام الناس، حتى حماها كان يحبها بشدة ويعاملها كابنته، دائم السؤال عنها وعن احتياجاتها لكن الهدوء لم يدم طويلًا، فبعد عدة أشهر بدأت ملامحه الحقيقية تظهر تدريجيًا وصار يعود إلى المنزل في وقت متأخر من الليل، يتحجج بالعمل تارة وبالأصدقاء تارة أخرى، تغير أسلوبه معها، واختفت الكلمات الرقيقة لتحل محلها العصبية والصراخ الدائم، على حد حديثها.
الزوج يتعاطى المواد المخدرة
في البداية كانت تحاول احتواءه كانت تنتظره بالساعات لتحضر له الطعام، وتسأله بهدوء عن سبب تغيره، لكنه كان يقابل كل محاولاتها بالانفعال ومع مرور الوقت بدأ يهمل مسؤوليات البيت بشكل واضح، المصروفات أصبحت عبئًا عليها، وكلما طالبته بمصاريف المنزل اتهمها بأنها لا تقدر ظروفه ثم جاءت الصدمة الأكبر عندما اكتشفت صدفة أنه يتعاطى المواد المخدرة.
تقول آية: «لقيته داخل البيت مش طبيعي، بيتكلم بعصبية وبيكسر أي حاجة قدامه، وبعدها عرفت من أصحابه إنه بيشرب حاجات محرمة»، على حد تعبيرها، ومنذ تلك اللحظة تحولت حياتها إلى جحيم حقيقي وصار يعود للمنزل في حالة غير طبيعية، يفتعل المشكلات لأتفه الأسباب، وإذا حاولت الرد أو الدفاع عن نفسها، إنهال عليها بالضرب وفي إحدى المرات ضربها بعنف حتى كسر ذراعها، ثم أجبرها على إخبار أهلها بأنها سقطت من فوق السلم. ومرة أخرى شج رأسها بزجاجة عطر بعدما سألته عن أموال اختفت من المنزل.
كانت كل علقة على حد وصفها أشبه بمحاولة قتل، مرة تركها تنزف لساعات دون أن يسمح لها بالذهاب للمستشفى، ومرة أخرى خنقها حتى فقدت الوعي، قبل أن يوقظها بالماء البارد وكأن شيئًا لم يحدث، ورغم كل ذلك كانت تتحمل خوفًا من خراب بيتها كانت تخشى كلام الناس ونظرات المجتمع للمطلقة، وكانت تتمسك بأي لحظة هدوء عابرة منه لتقنع نفسها بأنه سيتغير.
ضرب حتى الموت
لكن الأمور ازدادت سوءًا عندما اكتشفت خيانته المتكررة كانت ترى رسائل النساء على هاتفه، وتسمع مكالماته في منتصف الليل، وحين تواجهه يتحول إلى وحش هائج ووفي كل مرة كانت تطلب الطلاق، كان ينهال عليها ضربًا بشكل أعنف، تقول وهي تبكي «كنت ببقى حاسة إني بموت بإيده كل يوم، وكل مرة أقول هسيبه ألاقي نفسي في المستشفى»، وحاول أهلها التدخل أكثر من مرة، لكن كل جلسات الصلح كانت تنتهي بوعود كاذبة منه بأنه سيتغير حتى والده كان يعاتبه باستمرار، لكن الابن لم يكن يستمع لأحد.
ومع مرور السنوات صار الأب العجوز يشاهد بعينيه انهيار زوجة ابنه يومًا بعد يوم، كان يسمع صراخها ليلًا، ويرى آثار الضرب على وجهها وجسدها، لكنه بحكم سنه وضعفه لم يعد قادرًا على التدخل وفي إحدى الليالي، وبعد وصلة ضرب عنيفة كادت تفقد فيها حياتها، خرج الأب العجوز من غرفته مستندًا إلى عصاه، وحاول إبعاد ابنه عنها، لكن الأخير دفعه بعنف ليسقط على الأرض.
في صباح اليوم التالي استدعاها حماها إلى غرفته، وكانت تتوقع أنه سيطلب منها الصبر كعادته، لكنه فاجأها بكلمات لم تنسها أبدًا قال لها بصوت مرتعش «يا بنتي اهربي بنفسك ابني هيموتك في مرة وهخسرك وأخسره، وأنا راجل كبير ومش قادر أحميكي، وظلت تبكي لساعات بعد تلك الجملة.
دعوى خلع بأمر من حماها
لم تتخيل يومًا أن يصل الأمر بأب إلى أن يطلب من زوجة ابنه خلع ابنه الوحيد وبعد أيام قليلة، اصطحبها الرجل العجوز بنفسه إلى محكمة الأسرة بالكيت كات وأقاموا دعوى خلع حملت رقم 563 وسار ببطء شديد مستندًا على عصاه، بينما كانت هي تسير بجواره منهارة نفسيًا، تحمل ملفًا مليئًا بالتقارير الطبية ومحاضر الشرطة وصور الإصابات القديمة، وعندما سألها موظف المحكمة عن سبب الدعوى، لم تتمالك نفسها وانفجرت بالبكاء، بينما تدخل حماها قائلاً «ابني مؤذي والبنت دي لازم تلحق نفسها».
أنهت آية حديثها داخل المحكمة وهي تنظر إلى باب القاعة بخوف واضح، مؤكدة أنها لم تعد تريد من الدنيا سوى النجاة بحياتها، بعد سنوات من العنف والإهانة والخوف اليومي، أما حماها العجوز، فظل جالسًا بجوارها صامتًا، يطرق رأسه إلى الأرض في حسرة، وكأنه يحمل فوق كتفيه ذنبًا لم يرتكبه، سوى أنه فشل في منع ابنه من تدمير حياة المرأة التي اعتبرها يومًا ابنته.