غزة المنسية.. «لا حرب ولا سلام»

جيهان فوزى

جيهان فوزى

كاتب صحفي

وسط ضبابية المشهد من الحرب الأمريكية - الإسرائيلية على إيران، وتراجع الاهتمام الدولى بشكل حاد مع الحرب على إيران، الذى أدى إلى تقلّص المساعدات والضغط على الوسطاء، ترزح غزة تحت النار والقصف المدفعى والجوى المتواصل، والانتهاكات والخروقات الإسرائيلية المستمرة منذ الاتفاق على وقف إطلاق النار الذى دخل حيز التنفيذ فى 10 أكتوبر من العام الماضى، هذا بالتزامن مع استمرار الحصار وتشديد القيود على دخول البضائع والمساعدات وحركة السفر، الأمر الذى تتصاعد فيه المخاوف بين السكان من عودة واسعة للحرب بعد أشهر من الهدوء النسبى الهشّ.

إذ يوصف الوضع فى غزة حالياً بأنه «لا حرب ولا سلام» هش جداً، مع تصاعد التوتر والانتهاكات، وتراجع كبير فى الاهتمام الدولى.

لم تلتزم إسرائيل كعادتها بأى تعهدات، فقد سجّلت تقارير فلسطينية وأممية أكثر من 2400 خرق منذ أكتوبر 2025 تتراوح بين إطلاق النار وقصف وغارات ونسف مبانٍ، نتج عنها استشهاد 740 فلسطينياً حتى أبريل الماضى، معظمهم مدنيون، بينهم أطفال ونساء، فضلاً عن آلاف الجرحى (ما يقارب 1800 جريح)، حيث تستمر سيطرة إسرائيل على مناطق واسعة (50 - 60%) من قطاع غزة خلف الخط الأصفر، وتستمر فى تدمير المبانى، فدمّرت أكثر من 1500 مبنى منذ الاتفاق، فضلاً عن إغلاق المعابر وتضييق مرور المرضى عبر معبر رفح.

تتعمّد قوات الاحتلال استهداف مناطق مأهولة وأماكن وجود نازحين ضمن نمط متواصل من الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار، إلى جانب تنفيذ عمليات النسف والتدمير داخل ما يُعرف بالخط الأصفر الذى يفصل بين مناطق سيطرة الجيش الإسرائيلى شرقى القطاع والمناطق التى يُسمح للفلسطينيين بالوجود فيها غرباً، وتتذرّع دائماً بادعاءات الاقتراب من الخط الأصفر كتبرير لإطلاق النار والاستهدافات المتكرّرة، حيث ترافقت هذه التطورات الميدانية مع تصعيد الخطاب السياسى الإسرائيلى بشأن احتمال استئناف القتال فى غزة، إذ صرح رئيس الأركان الإسرائيلى إيال زامير بأن المعركة المقبلة يُمكن أن تكون فى قطاع غزة، لأنها لم تنتهِ بعد، محذراً من أن الجيش قد يستأنف الحرب بكل شدة إذا عرقلت حركة حماس ملف نزع السلاح.

وتتزامن هذه المخاوف مع حالة ضبابية تُخيم على مفاوضات القاهرة بشأن تنفيذ مراحل اتفاق وقف إطلاق النار، التى تطالب فيها حماس والفصائل الفلسطينية باستكمال تنفيذ التزامات المرحلة الأولى، خصوصاً ما يتعلق بالملفات الإنسانية والمعيشية، بينما تشترط إسرائيل المضى قُدماً فى ملف نزع السلاح بوصفه أحد أبرز بنود المرحلة الثانية.

فى الوقت الذى كشفت فيه صحيفة «يديعوت أحرونوت» أن ستة ألوية عسكرية تعمل حالياً داخل قطاع غزة، وأن عمليات تناوب القوات تشير إلى استعدادات لبقاء مطول ومكثف، بعد أن حول الجيش الإسرائيلى مواقع عسكرية من نقاط دفاعية مؤقتة إلى مواقع تمركز دائمة فى المنطقة الواقعة بين الحدود والخط الأصفر، بهدف إقامة «منطقة أمنية مستقرة».

ومن خلال تصريحات مسئولين أمنيين إسرائيليين فإن هذه التطورات تأتى فى إطار استعداد الجيش لزيادة حدة عملياته فى حال تعثّرت المفاوضات، إذ إن تل أبيب تربط مسار غزة بتطورات جبهات أخرى، خصوصاً لبنان وإيران، وهو ما يجعل المشهد العسكرى والسياسى أكثر تعقيداً.

وفى ضوء تعثّر التفاهمات السياسية واستمرار الخروقات الإسرائيلية وتصاعد التهديدات العسكرية، يظل سكان القطاع عالقين بين نار الحصار وخطر الحرب، وسط واقع إنسانى بالغ القسوة.

وفى هذه الأجواء غير المستقرة، يعيش سكان القطاع حالة من الترقّب والقلق، ليس فقط من تجدّد القصف، بل من احتمال موجات نزوح جديدة، فى ظل انعدام الأماكن الآمنة، فالعودة إلى الحرب تعنى تدمير ما تبقى من منازل وبنى تحتية، فالفلسطينيون المنهكون بعد عامين من الحرب والحصار، باتوا يبحثون قبل كل شىء عن النجاة والطعام والمأوى، وقلق متزايد من أن يتحول وقف إطلاق النار الهشّ إلى محطة مؤقتة تسبق جولة جديدة من التصعيد، خصوصاً أن حماس ترفض نزع السلاح قبل انسحاب إسرائيلى كامل، وتنفيذ كامل للمرحلة الأولى، وإسرائيل فى المقابل ترفض التقدّم طالما استمرت حماس متمسّكة بالسلاح، فيما يميل مجلس السلام إلى عدم إلزام إسرائيل إذا رفضت حماس نزع السلاح.

المخاوف تتعاظم من أن اتفاق وقف إطلاق النار فى غزة على وشك الانهيار، أو التحول إلى «هدنة طويلة هشّة»، والوضع يعتمد على الديناميكيات الإقليمية بعد إيران: إما تصعيد إسرائيلى جديد، وإما ضغط دولى لإحياء المراحل التالية، وفى ظل الاضطرابات الحاصلة بسبب عدم حسم الحرب على إيران والانشغال الدولى عن مأساة غزة، يدفع الفلسطينيون المدنيون الثمن الأكبر يومياً.