أشرف غريب يكتب: هاني شاكر.. الشامتون يمتنعون
أشرف غريب يكتب: هاني شاكر.. الشامتون يمتنعون
من الصعب جداً أن يُجمع الناس على شيء، لا سيما إذا كان الأمر يتعلق بالمشاعر الإنسانية تجاه الآخر حباً أو كرهاً، مدحاً أو ذماً، تنافراً أو انجذاباً، لكن الفنان الراحل هانى شاكر فعلها، وجعل من الصعب واقعاً ملموساً، ومن المستبعد ممكناً حاضراً، وإلا فما الذى عشناه ولا نزال نعيشه منذ الإعلان عن النبأ الحزين قبل أسبوع، إذ تحول الفضاء الإلكترونى على اتساعه إلى سرادق عزاء ضخم يقطر حزناً على وفاة الفنان الكبير.
وحباً لشخصه الراقى، وتقديراً لعطائه النبيل فى عالم الفن على مدى ما يقرب من خمسة وخمسين عاماً منذ احترافه الغناء عام 1972، وحتى رحيله الصادم، فالرجل الذى كان يسره وصفه بأنه آخر جيل العمالقة وأول جيل الشباب لم يكن مجرد مطرب عابر فى عالم الغناء وما أكثرهم، وإنما كان صاحب حضور خاص، وعطاء فنى مميز جعله قادراً على البقاء فى تلك المنطقة شديدة الخصوصية داخل نفوس وقلوب أولئك الذين عايشوا بداياته الأولى فى حضور العمالقة الكبار، أم كلثوم وعبدالوهاب وفريد الأطرش وعبدالحليم حافظ ووردة وشادية ونجاة وفايزة أحمد، وأيضاً هؤلاء الذين جذبتهم الأغنية الإيقاعية الشبابية زمن عمرو دياب وأقرانه، وربما استحق لهذا كله لقب «أمير الغناء العربى» اللقب الذى لم يقترب منه غيره طوال نصف قرن من الزمان ملأه هانى شاكر حضوراً وعطاء.
وعلى المستوى الشخصى تمتع الرجل بروح جميلة ومحبة خالصة لكل من تعامل معه أو اقترب منه، لم تفارقه ابتسامته فى أصعب المواقف، أو يخذله يوماً هدوؤه واتزانه، لم يضبطه أحد متلبساً بالحقد والضغينة أو متحدثاً بالغيبة والنميمة، كان كل من عرفه -وأنا منهم- يؤكدون أنه كان قادراً دون عمد أو قصد على أن يشع فى المكان طاقة إيجابية تنعكس على الآخرين، وكم من مرة كنت أذهب إليه أو أحادثه هاتفياً وأنا شديد الاستياء من موقف معين، فإذا باللقاء ينتهى برداً وسلاماً وكأن شيئاً لم يكن رغم أن الموقف كان يخصه فى المقام الأول.
ورغم هذا الإجماع الذى صاحب نبأ رحيل هانى شاكر، فإن فئة ضالة وحيدة متمسحة فى الدين اعتدنا منها الشماتة فى الموت كانت أشبه بالنغمة النشاز وسط هذا اللحن الحزين، صحيح أننا اعتدنا على هذه الروح العفنة من أبواق الإخوان تجاه كثير ممن فقدناهم دون أن يحترموا جلال لحظة الموت وذكرى من رحلوا، لكن المفجع فى أمر هانى شاكر أن الشماتة هذه المرة جاءت من صديق عمره ورفيق أيامه وصباه الممثل الهارب وجدى العربى الذى كتب على صفحته واضعاً السم فى العسل وهو يقول:
«رحل هانى شاكر، ورحل معه جزء من ذكريات الطفولة فى مدرستنا الإعدادية، أيام ما كانت القلوب لسه بيضا، وما فيش فيها غير حب الفن والحلم ببكرة، الموت يا سادة هو الحقيقة الوحيدة اللى بتنهى كل الخصومات، وبتحطنا كلنا فى مواجهة الحساب العادل، وجعنى قلبى مش بس على فراق زميل دراسة، لكن على «الانقلاب» اللى حصل فى النفوس، ما كنتش أتخيل إن الطفل اللى كبرنا مع بعض ييجى عليه يوم فى 2013 ويطالب بقتل إخوانه ورفاق وطنه فى الشوارع «من غير محاكمات»، الكلمة أمانة والتحريض على الدم بيفضل طوق فى الرقبة لحد يوم العرض على رب كريم..».
ما هذا السواد وكم الغل الكامن فى النفوس؟ أإلى هذا الحد أنت يا وجدى تعيش بغلك كل هذه السنوات تجاه زميل دراسة عايشته وخبرت معدنه جيداً، وأكلت معه عيشه وملحه وتقاسمتما معاً الأحلام العريضة والأمانى البريئة؟ ألم تلحظوا معى كلمة «انقلاب» التى وضعها بين قوسين كى يزيد انتباه من يقرأها إلى مراده الخبيث؟ ثم ما هذا الهراء الذى يتحدث عنه؟ إننى أتحدى وجدى العربى وأى شخص على شاكلته أن يثبت أن هانى شاكر طالب يوماً، سواء فى 2013 أو فى أى عام آخر، بقتل أحد فى الشوارع أو فى غير الشوارع بمحاكمات أو بدون محاكمات؟ إن عذوبة روح هانى شاكر ورقة قلبه تنفيان عنه أى ميل للعنف أو رغبة فيه، وإن مفردة القتل لم تكن أبداً فى قاموسه اللغوى أو فى مفرداته المعتادة، فمن أين أتى هذا الشامت بكل ذلك الهراء المنسوب إلى الفنان الراحل؟ وهل هذا توقيت مناسب ونحن فى جلال لحظة الموت أن تصفى حساباتك مع رجل يقف الآن بين يدى الله؟ ثم ما هى الجدوى من الشماتة فى الموت؟ كلنا ميتون أخيارنا وأشرارنا، ولن يمنع عمل ابن آدم -طيبه أو خبيثه- من أن يلقى قدره المحتوم، هانى شاكر لم يمت لأنه قال كذا أو لم يقل، مات هانى لأن أجله قد حان، والموت ليس عقاباً حتى تكون فيه شماتة، ألا يفهمون أو يعقلون؟!
أما الالتفاف حول السيرة العطرة فهو الذى يبقى للمرء بعد رحيل جسده، والإجماع على عطر سيرة هانى شاكر هو أبلغ رد على غل وشماتة إخوان الشيطان، ومظاهرة الحب والتقدير التى صاحبت تشييع جثمانه كفت وأوفت وألجمت كل شامت وحاقد لم يهزه جلال الموت.
و.. كلنا سوف نقف بين يدى الله يوم يكون الحساب.