حرب إيران تعيد تشكيل نظام الاقتصاد العالمي.. وإغلاق مضيق هرمز يصيب إمدادات الطاقة بالشلل
حرب إيران تعيد تشكيل نظام الاقتصاد العالمي.. وإغلاق مضيق هرمز يصيب إمدادات الطاقة بالشلل
لم تعد تجارة النفط والغاز العالمية كما كانت قبل الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، فالتوترات العسكرية التي اندلعت في الخليج العربي، وما تبعها من اضطرابات في مضيق «هرمز»، دفعت العالم إلى مواجهة واحدة من أخطر الأزمات التي شهدها قطاع الطاقة منذ عقود، وسط تحذيرات من أن آثار الحرب لن تكون مؤقتة، بل قد تؤدي إلى إعادة تشكيل نظام الاقتصاد العالمي والطاقة بصورة دائمة.
«نيوزويك»: العالم أمام «نظام نفطي جديد».. وإغلاق مضيق «هرمز» يصيب إمدادات الطاقة بالشلل
ورغم الحديث المتكرر عن فرص التهدئة ووقف إطلاق النار، فقد أكدت صحيفة «نيوزويك»، في تقرير لها، أن الضربات المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران، واستمرار المخاطر الأمنية في الممرات البحرية، جعلا الأسواق العالمية تتعامل مع الأزمة باعتبارها نقطة تحول استراتيجية، وليست مجرد مواجهة عابرة، فيما يرى خبراء في الأمن البحري والطاقة أن ما يحدث حالياً يتجاوز حدود ارتفاع أسعار الوقود، أو تعطل بعض الإمدادات، إذ يكشف عن هشاشة النظام التجاري العالمي، واعتماده المفرط على عدد محدود من الممرات البحرية الحساسة، وفي مقدمتها مضيق «هرمز»، الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية.
ونقلت الصحيفة الأمريكية عن كريستيان بويجر، أستاذ الأمن البحري في جامعة كوبنهاجن، قوله إن الحرب الحالية تمثل «تحولاً تاريخياً» في النظام البحري العالمي، موضحاً أن العالم يتجه نحو مرحلة جديدة تتراجع فيها الهيمنة البحرية الأمريكية التقليدية، في مقابل صعود أنماط الحرب غير المتماثلة، واستخدام الأسلحة منخفضة التكلفة، والطائرات المسيَّرة، للسيطرة على الممرات الاستراتيجية، وشدد على أن «الوضع الطبيعي الجديد لن يشبه ما كان عليه العالم قبل الحرب»، مشيراً إلى أن استهداف البنية التحتية للطاقة والموانئ وخطوط الملاحة أصبح جزءاً رئيسياً من أدوات الصراع الجيوسياسي.
وأدت الحرب الأمريكية - الإسرائيلية على إيران، بالفعل، إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط والغاز داخل الأسواق العالمية، حيث قفزت أسعار الوقود في الولايات المتحدة بنسبة تقارب 50% منذ بداية العمليات العسكرية في فبراير الماضي، ويعود ذلك بشكل رئيسي إلى تعطل حركة النفط الخام عبر الخليج العربي، بعدما سعت إيران إلى استخدام موقعها الجغرافي في مضيق «هرمز» كورقة ضغط استراتيجية، من خلال تهديد الملاحة البحرية، وفرض قيود على السفن العابرة، بالتزامن مع استهداف دول خليجية تستضيف قواعد عسكرية أمريكية، وتُعد من أكبر مُصدري الطاقة في العالم.
في المقابل، ردت واشنطن بفرض «حصار مضاد» خارج مضيق «هرمز»، لمنع السفن المرتبطة بالموانئ الإيرانية من المرور، كما أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، تنفيذ عمليات عسكرية لمرافقة السفن التجارية وتأمينها، قبل أن يتم تعليق تلك العمليات لاحقاً، مع الحديث عن «تقدم كبير» في المفاوضات مع طهران، ولكن رغم ذلك استمرت الاشتباكات والهجمات المتبادلة، ما عمَّق حالة القلق في الأسواق، وأدى إلى تراجع ضخم في تجارة النفط العالمية، يتوقع خبراء أن تستمر تداعياته لسنوات طويلة.
وفي هذا السياق، أكد بريت إريكسون، الخبير الجيوسياسي ومدير شركة «أوبسيديان ريسك أدفايرز»، أن العالم لا يواجه مجرد اضطراب مؤقت، بل خسارة هائلة في إمدادات الطاقة، تتجاوز 600 مليون برميل حتى الآن، مع توقعات بتجاوز الخسائر حاجز المليار برميل قبل نهاية الأزمة، وأوضح أن الضربات التي استهدفت منشآت الطاقة في الخليج ستحتاج سنوات لإصلاح آثارها، مؤكداً أن أسعار الطاقة لن تعود إلى مستوياتها السابقة، لأن «النظام نفسه تعرَّض لاهتزاز جذري».
وأكدت كارين يونج، الباحثة بمركز سياسة الطاقة العالمية في جامعة كولومبيا، أن الأزمة الحالية تمثل «أكبر صدمة نفطية» يتعرَّض لها الاقتصاد العالمي منذ سنوات طويلة، موضحة أن الدول بدأت بالفعل في إعادة التفكير في سياساتها الخاصة بالطاقة وسلاسل الإمداد، وقالت إن الحكومات ستتجه إلى تنويع مصادر النفط والغاز، وزيادة الاحتياطات الاستراتيجية، والاعتماد بصورة أكبر على الموارد المحلية، مشيرة إلى أن ذلك قد يرفع أسعار الطاقة عالمياً لفترة طويلة، ويؤدي إلى موجات تضخم، وربما ركود اقتصادي في بعض الدول.
وفي مواجهة المخاطر المتزايدة في مضيق «هرمز»، بدأت دول الخليج في تعزيز البدائل البرية، وخطوط الأنابيب، لتقليل الاعتماد على الممر البحري، وفي هذا الصدد أوضح هشام الغنام، مدير مركز البحوث الأمنية بجامعة نايف العربية، أن السعودية والإمارات نجحتا بالفعل في إعادة توجيه جزء كبير من صادراتهما النفطية عبر خطوط بديلة، أبرزها خط «شرق - غرب» السعودي، الممتد إلى البحر الأحمر، وخط أنابيب «حبشان - الفجيرة» الإماراتي، وأشار إلى أن هذه الخطوط ساعدت في تحويل نحو 40% من صادرات البلدين بعيداً عن مضيق «هرمز»، دون الحاجة إلى إنشاء بنية تحتية جديدة، لكنه حذر من أن هذه البدائل لا تزال غير كافية لنقل كامل إنتاج المنطقة.
وفي الوقت نفسه، كشفت الحرب عن تصدعات سياسية متزايدة داخل مجلس التعاون الخليجي، بعدما تعرضت غالبية الدول الأعضاء (السعودية والإمارات وقطر والكويت والبحرين وعُمان) لهجمات مباشرة بالطائرات المسيَّرة والصواريخ الإيرانية لأول مرة، منذ حرب الخليج الأولى، وبرزت الإمارات باعتبارها الأكثر تشدداً تجاه إيران، بعدما أعلنت انسحابها من تحالف «أوبك+»، في خطوة وصفها مراقبون بأنها قد تعيد رسم موازين القوة داخل سوق النفط العالمي.
ويرى خبراء أن خروج الإمارات من «أوبك+» قد يمنح الولايات المتحدة نفوذاً أكبر في إدارة أسواق النفط العالمية، عبر التعاون المباشر مع أبوظبي، لزيادة الإنتاج دون الحاجة إلى توافقات المنظمة النفطية، وفي المقابل اتجهت السعودية وقطر والكويت إلى تبنِّي خطاب أكثر هدوءاً، يدعو إلى خفض التصعيد، والانخراط في مسار دبلوماسي مع طهران، بينما حافظت سلطنة عُمان على دورها التقليدي كوسيط بين واشنطن وإيران.
واختتمت «نيوزويك» تقريرها بالقول إنه بينما يترقب العالم مصير الهدنة الهشة في الخليج، يبدو أن النتيجة الأوضح حتى الآن هي أن خريطة الطاقة العالمية دخلت بالفعل مرحلة جديدة، عنوانها الرئيسي أن أمن النفط لم يعد مضموناً، وأن أي حرب في الشرق الأوسط قادرة على إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي بأكمله.