تانجو الصين وطيبات الفرن
فرق كبير بين رقصة «التانجو» وهبدة «الكرامبينج».
«التانجو» رقصة قادمة من أمريكا اللاتينية، وتحديداً الأرجنتين، تجمع بين الأضداد فى تناغم غريب، وتتنقل بين الألفة والرقة إلى التوتر والسيطرة، والمقاومة إلى الاستسلام.
يسمونها رقصة الشغف والترابط والصمود، وكذلك الثقة والتوتر والسيطرة، فيما يلخص أو يرمز إلى العلاقات الإنسانية بالغة التعقيد، والتى لا تسير فى خطوط مستقيمة، أو تحل مشكلاتها بالقوة العضلية فقط.
أما «الكرامبينج»، رقصة الشارع القادمة من شوارع لوس أنجلوس، فهى رقصة تعتمد على المبالغة والسرعة والحيوية الزائدة.
وهى تعبير مباشر عن الطاقة والقوة الخام.
وتعتمد على حركات قوية زاعقة، وخطوات مفاجئة وغير متوقعة، ما يثير إعجاب جمهور الشارع، إذ تعكس الكثير من مشاعر الشباب الغاضب، الذى لم يحظ ببديهيات التعليم والتثقيف، ووجد نفسه لا يملك سوى عضلاته وقوته «الخام».
تذكرت الرقصتين، وبالمناسبة كلتاهما مبهرة ولكن لكل منهما جمهورها المتأرجح بين المخ والعضلات، أو المزج بينهما، وأنا أتابع رحلة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب للصين، ولقاءه الزعيم الصينى شى جين بينج، هذه الابتسامات المحسوبة والود المخطط والقضايا المصيرية والجذرية والحيوية العالقة بين الدولتين «العظميين»، من حرب إيران ومضيق هرمز، والتوازنات الجيوسياسية، والحروب الاقتصادية والتجارية والجمركية، وحروب التكنولوجيا والذكاء الاصطناعى والرقائق، ومعضلة تايوان الكبرى، وصراع النفط والمعادن النادرة وغيرها، وكل منها منفصلاً يشكل لغماً قابلاً للانفجار فى وجه العالم بين دقيقة وأخرى.
ورغم ذلك، رقصة «التانجو» مذهلة ومبدعة بين الرئيس والزعيم.
فى تلك الأثناء، كان راقصو «الكرامبينج» يهبدون كما لم يهبدوا من قبل، ويصيحون كما لم يصيحوا من قبل، ويملأون الأثير العنكبوتى -الذى لا يتحجمون فيه ولو بمقدار جرامين- فتاوى عن قواعد السياسة الخارجية، وآراء نووية حول ما يجب أن يفعله رئيس أمريكا، وما يجب أن يرد به زعيم الصين، والدنيا هايصة على الآخر.
ورغم أنها هيصة مثيرة وتستحق المتابعة، فإن الدرس القاسى يبقى فى الفرق بين إدارة «التانجو» المذهلة، واندفاعات «الكرامبينج» المزرية.
على أى حال، المتابعة ممتعة، ولمن يريد الاستفادة، يمكنه الاستزادة عن طريق قراءة ما وراء خطوات «التانجو» من مصادر متعددة.
أما إن أراد البقاء فى مربع الصوت العالى والاندفاع الطاغى و«افتحوا الحدود باش نحرر فلسطين»، فعليه البقاء على الأثير، والانقياد لآراء خبرائه وخوابيره.
وعلى ذكر الأثير وخبرائه وخوابيره، فقد فوجئت بـ«الفرن» القريب من البيت وقد علق صاحبه لافتة كبيرة مطبوعة بالبنط العريض «لدينا جميع منتجات الحبة الكاملة شفانا الله وإياكم».
ورغم أن الفرن يبيع منتجات متنوعة، وبينها «الحبة الكاملة» منذ فتح أبوابه قبل ما يزيد على عشرة أعوام، إلا أن الإقبال على شراء منتجاته «الشافية» منذ تعليق اللافتة مذهل وخرافى.
والمذهل والخرافى أيضاً متابعة أسئلة الزبائن للباعة، وأغلبهم من النساء، حول جودة الدقيق، ونوعية القمح أو الشعير، ومقدار النخالة والجنين، وغيرها من الأسئلة التى نقلت الفرن البسيط الثابت على أرض الواقع إلى عوالم خيالية وأجواء ميتافيزيقية، لكنها فى واقع الأمر يمكن تلخيصها تحت عنوان «رزق الهبل على المجانين»، مع كل الاعتذار والاحترام لكل أصحاب الأمراض النفسية والعصبية.
الجنون المقصود هنا هو ذلك الناتج عن التعليم القائم على مبدأ «آمين»، مع الحفظ والتلقين، ووضع المخ فى ثلاجة والحفاظ عليه من التلف بعدم الاستخدام.
وهو الجنون الذى سرى فى المجتمع بسبب استلاب واحتكار الفكر واحتقار التفكير إذا صدر عن الأشخاص العاديين بدون الحصول على ختم ممن نصبوا أنفسهم أولياء وقديسين.
وهو جنون لا يعالج بتنصيب جيل جديد من الأولياء، أو تخريج دفعة جديدة من القديسين، بل بتمكين التعليم والتفكير والعقل المستقل الحر المتنور المنفتح المثقف الملم بثقافات عدة وعلوم مختلفة، والأهم من ذلك القدرة على التفكير النقدى.
أما ما عدا ذلك، فهو حرث فى البحر، ونفخ فى قربة مقطوعة، وبحث مستميت عن الحبة الكاملة.
ولأن الجنون بهذا المفهوم أنواع وأشكال، فمنه ما يرتع فى شوارعنا حالياً عبر البعض ممن يسجل فيديوهات أو يبث محتوى حياً.
والجنون هنا لا يتعلق بالمحتوى، ولو أن بعضه يحتاج تدخلات طبية نفسية عاجلة، ولكن يتعلق بالإصرار على تسجيل الفيديو أو الخروج فى بث حى أثناء قيادة السيارة.
وسواء كان هذا شيئاً «كوول» أو لطيفاً أو فريداً أو جميلاً، فإن هذا لا يعنينى بقدر ما يعنينى هو كيفية التركيز فى القيادة فى شوارعنا، التى تحتاج دبابة وقائداً بدراية وحنكة «شوماخر»، ليجتازها دون قتل أحدهم أو قتل نفسه، وفى الوقت نفسه الحديث فى السياسة والاقتصاد والإعلام والفن والدين والإيمان والكفر والإلحاد، والأسعار ونظام الطيبات وزيارة ترامب للصين ونيش السفرة ومونوريل العاصمة، وخناقات الأزواج والنسوية والأحوال الشخصية، وطريقة عمل الباذنجان بالكوسة.
السؤال موجه لكل من صناع المحتوى، وللساكتين على قيام صناع المحتوى بصناعته أثناء القيادة!