الصورة التي كشفت أخطر ملفات الحرب على غزة

جيهان فوزى

جيهان فوزى

كاتب صحفي

صورة واحدة نشرها جندى إسرائيلى كانت كفيلة بفتح جرح غائر فى قلوب سكان قطاع غزة، وكشفت عن وجع آلاف العائلات الذين فقدوا أثر أحبتهم ولا يعرفون مصائرهم حتى الآن، هل هم من ضمن الأحياء أم الأموات؟ مفقودون بلا تحديد للمصير.

«دوليف مور يوسيف»، رقيب فى جيش الاحتلال الإسرائيلى، نشر صورة من داخل مركبة عسكرية انتشرت على نطاق واسع على مواقع التواصل الاجتماعى، تظهر فى الخلف امرأتان فلسطينيتان معصوبتى العينين مقيدتى اليدين. بعد أن ضجَّت وسائل التواصل الاجتماعى بقصة الصورة تم التعرف عليهما، فهما من خان يونس جنوب قطاع غزة، تحقيقات صحفية كشفت أن المرأتين هما عائشة بكر أحمد العقاد، وابنتها هدى، حيث قررت العائلة البقاء داخل منزلها خلال الاجتياح الإسرائيلى رافضة النزوح القسرى، ومنذ ذلك الوقت بدأت أخبار أفراد العائلة بالاختفاء واحداً تلو الآخر؟!.

الصورة لم تكن مجرد توثيق عابر، بل كانت خيطاً كشف جزءاً من مصير عائلة مفقودة، ولم تكن مجرد صورة التقطت للذكرى، بل أعادت فتح واحد من أكثر الملفات غموضاً وألماً فى غزة.

آلاف المفقودين والمختفين قسراً الذين انقطعت أخبارهم منذ بداية الحرب. حالة غياب اليقين التى يعيشها أهالى المفقودين حول مصير أحبتهم، لا تأكيد على الوفاة، ولا دليل على الحياة، يجعل معاناتهم النفسية مستمرة لا تنتهى، وحالة من الحزن المعلق وأمل يتضاءل مع مرور الأيام.

جريمة الاختفاء القسرى تُعد من الجرائم الخطرة التى يتناولها نظام روما الأساسى المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية.

فى غزة تضاعفت أزمة المفقودين، فقد خلفت الحرب ظروفاً جعلت الوصول إلى الحقيقة أكثر تعقيداً، آلاف الضحايا لا يزالون تحت الأنقاض، عمليات دفن تمت بشكل طارئ ودون توثيق، انهيار شبكات الاتصال والسجل المدنى، تدمير كاميرات المراقبة، تضرر المقابر ونبش معظمها، منع فرق الإنقاذ والدفاع المدنى من الوصول لمناطق واسعة، كل ذلك أدى إلى ضياع الأدلة التى كان يمكن أن تكشف مصير المفقودين.

لقد دُفنت مئات الجثامين المجهولة دون تحديد الهوية، 480 جثماناً وصلت إلى المستشفيات دون بيانات واضحة، 377 جثماناً مجهولة، والأخطر الاتهامات الموثقة بسرقة أعضاء من بعض المختفين والاتجار بها، الأمر الذى أدى إلى مطالبات عاجلة بفتح تحقيقات دولية مستقلة ومحاسبة المسئولين.

هناك آلاف القصص المشابهة التى لفتت الانتباه إلى أكبر ملف مفقودين فى تاريخ غزة الحديث، التقديرات الحقوقية تشير إلى أرقام مخيفة، 11200 مفقود ومختفٍ فى غزة غالبيتهم من النساء والأطفال، 1500 شخص يُعتقد أنهم محتجزون فى أماكن اعتقال غير معلنة، ومئات البلاغات الرسمية عن حالات فقدان، لكن لا إجابات واضحة حتى الآن تطفئ نيران القلق والخوف اللذين يأكلان أجساد أهالى المفقودين.

فى شهر أغسطس من العام الماضى أعرب خبراء الأمم المتحدة عن قلقهم الشديد من تقارير عن اختفاء قسرى لمدنيين جائعين عند نقاط توزيع المساعدات فى رفح، بما فى ذلك أطفال، مع اتهامات مباشرة للقوات الإسرائيلية بالتورط فى اختطافهم أو اعتقالهم، ومع تتبُّع أزمة المختفين استطاعت مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان تتبُّع 1000 حالة وتمكنت من كشف مصير نحو 600 منهم، بينما يبقى مصير حوالى 420 شخصاً مجهولاً.

فضلاً عن الاختفاء فى ظروف أخرى مثل فقدان أطفال أثناء النزوح أو الفوضى (تقديرات تشير إلى آلاف الأطفال المفقودين، مع أكثر من 2700 تحت الأنقاض) وجثث مجهولة الهوية تنتشر فى مقابر جماعية أو مستشفيات، وفى المقابل هناك حالات نادرة تتعلق بمختطفين إسرائيليين أو جثثهم تحت الأنقاض.

مصير المفقودين والمختفين قسرياً لا يزال يعتمد على وقف إطلاق النار الدائم، ودخول معدات ثقيلة لرفع الأنقاض، وتعاون إسرائيلى فى الكشف عن المعتقلين.

بعد اتفاق الهدنة تم الإفراج عن بعض المعتقلين وتسليم جثث، لكن آلاف الحالات لا تزال معلقة.

وهو ما يفتح ملف الآثار النفسية والاجتماعية ووقعها على المواطنين، إذ يعيش أهالى المفقودين فى حالة «غياب قاسٍ» وانتظار مؤلم، يمنعهم من الدفن أو الإغلاق النفسى ويصفونها بالموت البطىء.

الاختفاء القسرى جريمة ضد الإنسانية بموجب القانون الدولى. إنه لأمر مدعاة للضحك، فهل إسرائيل تلتزم بالقانون الدولى حتى تعترف بجرائم الحرب التى أقرتها اتفاقيات جنيف؟ لقد دعت لجنة الأمم المتحدة المعنية بالاختفاء القسرى إلى الكشف الفورى عن مصائر المفقودين، لكن إسرائيل لم توقع على الاتفاقية الدولية الخاصة بذلك، فمن سيُلزمها؟ هذا الملف يُعد أحد أكثر الجوانب إيلاماً واستمرارية فى الأزمة الإنسانية بغزة، ويحتاج إلى تحقيق دولى مستقل وآليات فعالة للكشف عن الحقيقة.