«وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ»
القرآن الكريم تحدث عن الشيخوخة وجريان العمر.
وصف «الشيخ» فى القرآن يعنى الرجل الطاعن فى السن، أما وصف «العجوز» فيطلق على المرأة كبيرة السن.
يقول تعالى فى سورة «هود»: «قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِى شَيْخاً إِنَّ هَذَا لَشَىْءٌ عَجِيبٌ».
وللشيخوخة، سواء بالنسبة للرجل أو المرأة، ظروف وأحوال، وهناك ما يصلح لها وهناك ما لا يصلح.
وقد شاء العلى القدير أن تكون «الشيخوخة» مرحلة ضعف ووهن، حيث يبدأ منحنى الإنسان فى التراجع والهبوط إلى أسفل شيئاً فشيئاً، هكذا تسير أطوار الحياة ببنى آدم لينتهوا من حيث بدأوا، فالإنسان يدخل الحياة ضعيفاً وذلك فى مرحلة الطفولة، ثم يشتد ساعده ويستقيم عوده ويقوى فى مرحلة الشباب، ثم تأخذ قوته فى الانحسار والانحدار حين تمر به الأيام، ويضربه الشيب، ويصبح جسداً متهالكاً متداعياً متعباً.
قال تعالى فى سورة «الروم»: «اللَّهُ الَّذِى خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً».. وقال تعالى فى سورة «غافر»: «هُوَ الَّذِى خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً».
مرحلة الطفولة هى مرحلة المتعة والسعادة غير المسئولة، ومرحلة الشباب قوة وعنفوان وآمال وأحلام وطموح فى المستقبل، ومرحلة الرجولة هى مرحلة المسئولية، أما الشيخوخة فمرحلة ضعف ووهن، كذلك قضت مشيئة الله، كما ذكرت لك، والعاقل من تقبّل كل مرحلة من عمره كما هى، وحاول أن يسعد بها طبقاً لظروفها وأحوالها.
على سبيل المثال يتوجب على الإنسان أن يتقبل فكرة التقاعد فى الكبر برحابة صدر، وألا يجهد نفسه فى البحث عن أدوار، الأفضل له أن يستثمر وقته فى أنشطة بناءة تسعده، فليفعل ما يمتعه وفقط، وخير للإنسان فى هذه المرحلة ألا يعلق سعادته على الآخرين، لأنه ببساطة لن يجد هؤلاء الآخرين، عليه أن يستمد سعادته من ذاته ومن عالمه، أقصى طموح الشيخ الكبير أن يحيا شيخوخة هادئة، أما الطموح بمعناه التقليدى فهو أبعد ما يكون عن تفكيره، لأن ما لم يحققه الإنسان فى شبابه لن يستطيع بحال أن يدركه فى شيخوخته.
الرضا بالحال هو سر السعادة حين يطعن الإنسان فى العمر.
تأمل حالة الرضاء التى تعامل بها «شعيب» مع مرحلة الشيخوخة، لقد ترك لابنتيه مهمة العمل فى رعى الغنم التى تملكها العائلة، فكانتا تصحبان أغنامهما وتذهبان إلى حوض المياه أو البئر لتروى الأغنام ظمأها وتأخذ حاجتها من الماء، وعندما سأل «موسى» الفتاتين عن خطبهما، أخبرتاه أنهما لا تستطيعان سقاية الغنم إلا بعد أن ينتهى الرعاة من الرجال، وأفهمتاه أنهما تقومان بهذه المهمة لأن أباهما شيخ كبير طاعن فى السن لا يقوى على العمل، أو بعبارة أخرى شيخ متقاعد.. قال تعالى فى سورة «القصص»: «وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِى حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ».
الشيخوخة بيت للحكمة.. وليست طاقة أو قدرة على الحركة.. فليمنح الشيوخ الحكمة والنصح وليتركوا ملاعب الحركة للشباب.. تماماً مثلما فعل «شعيب».