الفتوة الأبدي

تأسرنى حكاية «شمس الدين الناجى» فى رواية «الحرافيش»، وهى الشخصية التى ظهرت على مسرح الحكاية الثانية من الرواية.

أكثر ما كان يثير قلق هذه الشخصية هو مرور الأيام وجريان العمر، كان يريد أن يكون فتوة أبدياً صاحب قوة خالدة لا تتأثر بعوامل التعرية الزمنية.

ينظر إلى بنيانه المتين الخفيف فيتمنى على الله أن يديم عليه نعمة القوة والعافية حتى يظل قادراً على ممارسة الفتونة إلى اللحظة الأخيرة من عمره، أى مؤشر على الشيخوخة كان يقلقه ويقض مضجعه.

فى مرة لمحت زوجته شعرة بيضاء فى ثنايا شعره الأسود الغزير، ضحكت وقالت له: «شعرة بيضاء فى رأسك يا معلم!»، انزعج الرجل أشد الانزعاج، دعت له الزوجة بالصحة وطول العمر، فعلّق على دعائها قائلاً: «أتدرين ما الدعاء يا امرأة؟.. أن يسبق الموت خور الرجال».

انتابته ذات مرة، وهو يدرب ابنه «سليمان الناجى» على الفتونة، نوبة إغماء، شعر أن رأسه يدور والدنيا من حوله تتأرجح، سقط مغشياً عليه، ارتعبت زوجته وولده، وطفقا يناديانه ويحاولان إفاقته حتى استرد وعيه، طلب منهما التكتم على ما حدث، ونهاهما عن الإفضاء به إلى أحد؛ لأن لحظة الضعف بالنسبة له كانت عاراً لا يريد أن يحمله على ظهره.

لم يستوعب المعلم «شمس الدين» أن كل شىء فى هذه الحياة يبدأ من مركز قوة تصعد وتصعد حتى تبلغ نقطة معينة، وعندها يبدأ المنحنى فى الهبوط، فينزل شيئاً فشيئاً، وينتاب الإنسان الضعف تلو الضعف، ولم يتقبل بسهولة لحظات ضعفه، ولم يتفهم أنها جزء من حياة الإنسان، عليه أن يتعامل معها بواقعية وحكمة.

لقد أراد «شمس الدين» أن يعاند الزمن، والزمن كما تعلم يقهر من يعانده، لقد بدأ الضعف يدب فى الجسد الفتى المتين، وشيئاً فشيئاً أخذت قوته فى الاضمحلال، فى الوقت الذى كانت أمارات العنفوان والفتونة تتألق لدى ولده «سليمان الناجى»، فحل الأخير محل أبيه على العرش وأصبح فتوة الحارة، وارتضى الجميع بفكرة أن «شمس الدين» أصبح «فتوة متقاعد»، لكن «شمس» لم يرض، وأبى إلا أن يقاتل حتى آخر نفس.

كان النوم يغلبه -بحكم السن- فى الكثير من الأحوال. استيقظ ذات يوم على أصوات تجلجل فى الحارة، قام وارتدى ملابسه وسحب نبوته ونزل، كانت الأصوات قد اختفت، سأل: «أين سليمان؟.. وأين الرجالة؟» فأجابوه: ذهبوا إلى معركة مع أحد الفتوات، غضب المعلم شمس الدين غضباً شديداً لأنهم ذهبوا وتركوه، لحق بهم وخاض الشيخ الكبير المعركة معهم، وأصيب فيها إصابات بالغة، مات على أثرها.

هناك مثل معروف لدى شعبنا الطيب يقول: «مفيش حاجة بتختشى من أوانها». فحين تنضج الثمرة ويأتى أوانها تسقط على الأرض إن لم تمتد إليها يد لتقطفها، كل شىء بأوان، والعاقل من تعامل مع كل مراحل العمر باحثاً عن جمالياتها ومباهجها.