«بقمصان تحمل أسماء القرى».. 200 يتيم في غزة يركضون نحو العودة في ذكرى النكبة
«بقمصان تحمل أسماء القرى».. 200 يتيم في غزة يركضون نحو العودة في ذكرى النكبة
في صباح مثقل بالذكريات، اصطف عشرات الأطفال الفلسطينيين بأحد شوارع غزة للمشاركة في ماراثون أُقيم بمناسبة الذكرى الـ78 للنكبة، حمل بعضهم أعلام فلسطينية، بينما ارتدى آخرون قمصانا كُتب عليها أسماء القرى والمدن التي هُجّرت منها عائلاتهم قبل عقود، وبين أصوات صافرة البداية وخطوات الأطفال الصغيرة، بدا المشهد وكأنّه محاولة جماعية للحفاظ على الذاكرة حيّة، رغم الحرب والفقد والنزوح.

الصور التي التقطها المصور مجدي فتحي للماراثون الذي نظمه مشروع زينب للأيتام، أظهرت وجوها تجمع بين البراءة والإصرار، كان الطفل محمود أبوشمالة، البالغ من العمر 11 عاما يركض ممسكا بيد شقيقته الصغرى «مرام» ذات الأعوام الثمانية، خشية أن تضيع وسط الحشود، يقول «محمود»: «أبي أخبرني أنّ جدي خرج من المجدل ولم يعد إليها، أنا أركض اليوم حتى لا ننسى ما مررنا به».

الماراثون الذي نظمته مؤسسة زينب لرعاية الأيتام ومتطوعون، لم يكن رياضيا فحسب، بل مساحة للتنفيس عن مشاعر الأطفال، الذين عاشوا سنوات الحرب والحصار والخوف، فكثير من المشاركين فقدوا منازلهم أو اضطروا للنزوح أكثر من مرة الأشهر الماضية، لكنهم حضروا منذ ساعات الصباح الأولى حاملين أرقام السباق وآمالا صغيرة بالحياة الطبيعية.

وقفت الطفلة يمنى الحداد، 10 أعوام، قرب خط الانطلاق مرتدية تيشيرت وكوفية فلسطينية أكبر من حجمها، كانت تبتسم للكاميرا رغم آثار الإرهاق الواضحة على وجهها، تقول والدتها إنّها أصرت على المشاركة لأنها «تريد أن يشعر العالم أنّ أطفال غزة يحبون الحياة أيضا»، أما صديقها عبدالله السوسي، 12 عاما، فكان يتفاخر بأنّه تمكن من إنهاء السباق كاملا.
أصوات ضحكات الأطفال بدلا من أصوات القصف
على طول الطريق، علت الهتافات والأغاني الوطنية، بمشاركة نحو 200 من الأيتام، الذين تنافسوا على مسافة 500 متر في فعالية رياضية حملت رسائل إنسانية واجتماعية تؤكد أهمية احتضان هذه الفئة، ودعمها نفسيا وترفيهيا، في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها الأطفال في غزة، بينما وزّع متطوعون المياه والعصائر على الأطفال، وبعض الأمهات راقبن أبناءهن بقلق، مع استمرار الأوضاع الإنسانية الصعبة في القطاع، لكنهن اعتبرن الحدث فرصة نادرة لرؤية الأطفال يضحكون ويركضون بدلا من سماع أصوات القصف والطائرات.

الطفل يحيى زقوت، الذي لم يتجاوز التاسعة، قال بعد انتهاء السباق إنّه حلم بأن يصبح لاعبا أولمبيا عندما تكبر غزة وتصبح آمنة، أما يارا العمور، 13 عاما، فحملت مفتاحا خشبيا صغيرا طوال الماراثون، في إشارة إلى مفاتيح البيوت التي يحتفظ بها الفلسطينيون كرمز لحق العودة: «جدتي دائما تخبرني أنّ المفتاح ليس قطعة حديد فقط، بل حكاية بيت كامل».
مشاهد الدمار في خلفية السباق
ورغم الطابع الاحتفالي للفعالية، لم تغب مشاهد الدمار عن الخلفية، فالشوارع التي ركض فيها الأطفال كانت تمر قرب مبانٍ مهدمة وأحياء متضررة، ومع ذلك بدا الإصرار واضحا في تفاصيل اليوم، أطفال يركضون فوق الأسفلت المتشقق، يلوّحون بالأعلام ويضحكون كلما تجاوزوا نقطة جديدة في السباق.
هنادى سكيك، مديرة مشروع زينب للأيتام في قطاع غزة، قالت إنّ الماراثون يحمل رسالة تتجاوز حدود الرياضة، مفادها أنّ أطفال غزة، رغم كل ما مروا به، ما زالوا يتمسكون بحقهم في الفرح والحياة والذاكرة، مضيفة أنّ الفكرة بدأت بسيطة، لكنها تحولت إلى مناسبة ينتظرها الأطفال لإثبات قدرتهم على الاستمرار.
مع نهاية السباق، تجمّع المشاركون لالتقاط صورة جماعية، رفع الأطفال أيديهم بعلامة النصر، بينما وقف بعضهم يردد أسماء القرى الفلسطينية التى هُجّرت منها عائلاتهم قبل 78 عاما في تلك اللحظة، لم يكن الماراثون مجرد فعالية لإحياء ذكرى النكبة، بل محاولة صغيرة لصناعة مساحة أمل وسط واقع قاسٍ.