«لسه بحلم بيوم أطير وأعدي بحور».. «عمر» يزور ساقه المدفونة بجوار خيمته في غزة يوميا

كتب: سمر عبد الرحمن

«لسه بحلم بيوم أطير وأعدي بحور».. «عمر» يزور ساقه المدفونة بجوار خيمته في غزة يوميا

«لسه بحلم بيوم أطير وأعدي بحور».. «عمر» يزور ساقه المدفونة بجوار خيمته في غزة يوميا

منذ أكتوبر 2024، يخرج الطفل عمر حلاوة، البالغ من العمر 13 عاماً، كل يوم من خيمته الصغيرة غرب مدينة غزة، متجها بخطوات بطيئة نحو بقعة رملية قريبة من مكان نزوحه، لا تميزها لافتة ولا شاهد قبر، لكن فيها دُفنت ساقه المبتورة، هناك يقف الطفل كأنه يزور جزءاً من جسده لم يعد معه، لكنه ما زال يسكنه، بعدما بُترت قدمه نتيجة غارة جوية إسرائلية أثناء وقوفه في طابور المياه، وتركت الأخرى مصابة بشظية مفتوحة.

الطفل عمر فقد ساقه

الطفل عمر فقد ساقه في قذف إسرائيلي

لم يكن الطفل الصغير في ساحة قتال، ولم يكن يحمل سلاحاً، كان يقف في طابور لملء خزانات المياه في مدينة غزة، حين غيّرت غارة جوية شنها جيش الاحتلال الإسرائيلي، مسار حياته بالكامل، في لحظة واحدة، فقد ساقه، وفقد معها القدرة على الجري، واللعب، وملاحقة أصدقائه كما كان يفعل قبل الحرب، ورغم الألم والخوف الذي عاشه الصغير، ما زال «عمر» يتشبث بالأمل، إذ يحلم بالحصول على طرف صناعي، ليتمكن من المشي والركض واللعب مثل باقي الأطفال في عمره: «كنت رايح أنا وولاد عمي نملأ المياه، وفجأة ضربوا قذائف قدامنا، استشهد ولاد عمي، وانبترت رجلي، والتانية فيها مشاكل، ووقتها شابين حملوني على الإسعاف، ولما وصلت المستشفى تم بتر رجلي، وبقيت رجلي التانية فيها شظية مفتوحة».

الطفل عمر فقد ساقه

معاناة الطفل عمر بعد بتر ساقه

بعد الإصابة، نقلت ساق عمر المبتورة ودُفنت على عجل قرب الخيمة التي لجأت إليها أسرته، في مشهد يعكس قسوة الواقع الذي يعيشه آلاف النازحين في غزة، ومنذ ذلك اليوم، بات الطفل يزور مكان دفن ساقه يومياً، يجلس أحياناً بصمت، وأخرى يلمس الرمل بيده ويرش المياه عليه، كأنه يحاول استعادة إحساس غائب، أو الاحتفاظ بذكرى جزء من جسده لم يعد معه: «بحس إن جزء مني لسه هنا».

الطفل عمر فقد ساقه

لم تعد الزيارة مجرد عادة، بل طقس يومي يمنحه شعوراً غريباً بالأمان، أو ربما محاولة لفهم ما جرى، في عالم انقلب فجأة دون إنذار، بعدما عاش أيام الخوف: «عشت لحظات رعب ما كان في أدوية في المستشفيات، كنت بصيح من الألم ومكنتش بنام، ودفنا رجلي هناك، قرب الخيمة، ولما بدأت أحس بتحسن، بقيت أروح كل يوم أزور رجلي المدفونة».

عمر يحلم بتركيب طرفا صناعيا

في الخيمة، يعيش الطفل مع والديه وأشقائه الخمسة، يزداد شعوره بالحنين إلى حياة طبيعية، الجدران المرقعة والبطانيات القديمة لا تمنح سوى الحد الأدنى من الحماية من برد الشتاء، بينما الرعاية الطبية اللازمة له ما زالت بعيدة المنال، الحصول على طرف صناعي، كما تقول والدته ياسمين حلاوة، حلم بعيد في ظل نقص الإمكانيات، وتدهور القطاع الصحي، واستمرار الحرب المستمرة منذ سنوات: «كنت في خيمة 17 يوم 1 أكتوبر، ومفيش مياه، فجأة وصلتنا سيارات المياه، سمعنا صوت القذائف، وطلعت أجري على طول، ولقيت ابني اتصاب، الدنيا اتقلبت في لحظة، قلبي وقع من الخوف، ومكنتش أعرف أعمل إيه».

الطفل عمر فقد ساقه

رغم الألم الجسدي، لا يتحدث عمر عنه بقدر ما يتحدث عن المستقبل، إذ يحلم بالعودة إلى الحياة الطبيعية كبقية أطفال غزة، وأن يمشي دون عكاز، ويلعب كرة القدم، ويمارس هواياته مثل أي طفل في عمره حول العالم: «نفسي أرجع أتحرك لوحدي، أرجع أمشي، وأركب طرف صناعي، وأرجع ألعب زي صحابي، ونفسي أعيش حياتي طبيعية»، يقولها بابتسامة خجولة، تحمل بين طياتها الأمل الذي لم يفارقه رغم كل ما مر به.