كيف تحولت الشيخوخة من عبء ديموغرافي إلى ثروة عالمية بـ4.2 تريليون دولار؟
كيف تحولت الشيخوخة من عبء ديموغرافي إلى ثروة عالمية بـ4.2 تريليون دولار؟
أصدر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار في مجلس الوزراء، تحليلا جديدا تناول من خلاله مفهوم الاقتصاد الفضي وتداعياته الاقتصادية، ودور الابتكار في الاقتصاد، وأبرز تحديات استدامته، موضحا أنّ شيخوخة المجتمع تُشكِّل أحد أبرز تحديات القرن، في ظل تنامي أعداد كبار السن، ما يؤثر على كيفية تنظيم العمل، وكيفية تقديم الأسواق للقيمة، وتعامل الشركات مع التحول.
عدد سكان كبار السن
ظهر مفهوم الاقتصاد الفضي، أو ما يُعرَف باقتصاد كبار السن، خلال العقد الأخير استجابةً للتغيرات الديموجرافية المرتبطة بالشيخوخة، ورغم عدم وجود تعريف موحّد له، فإنّه يتميز عادةً بالتركيز على الفرص الناشئة عن الشيخوخة؛ حيث يمكن القول إنّ مصطلح «الاقتصاد الفضي» هو الأنشطة الاقتصادية التي تُمكّن كبار السن من العيش بحياة صحية ونشطة ومنتجة، أو الأنشطة الاقتصادية المصممة لتلبية احتياجات ومتطلبات الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 60 عامًا فأكثر.
وأدى التطور في الأنماط الاستهلاكية للفئة السكانية من عمر 65 عاما فأكثر إلى إعادة التفكير وتغير النظرة الاقتصادية إلى الشيخوخة (الاقتصاد الفضي)؛ فلم يعُد التقدم في العمر يُنظر إليه كعبء اقتصادي، بل فرصة ذهبية للنمو والابتكار، مع إمكانات هائلة طويلة الأمد تسهم في ارتفاع مستوى النشاط الاقتصادي؛ فالعالم يشهد تغيرات ديموجرافية متسارعة أثرت في ديناميكية التوظيف والأجور والإنتاجية الإجمالية.
ونوه التحليل بأنّ عدد كبار السن بلغ نحو 1.2 مليار نسمة في عام 2025، بما يمثل 15% من سكان العالم، ويُتوقع أن يتجاوز ملياري نسمة بحلول 2050، أي أكثر من 20% من البشرية، مع معدل نمو يفوق ثلاثة أضعاف نمو السكان الإجمالي.
وتركز السوق الدولية للاقتصاد الفضي (SEM) على منتجات وخدمات مخصصة لكبار السن، مثل: الإسكان المناسب، والرعاية الصحية الوقائية، والمنتجات المالية الملائمة.
وبلغ إنفاق هذه الفئة نحو 17 تريليون دولار في عام 2025، وقُدِّر حجم السوق الدولية للاقتصاد الفضي (يُقصَد بحجم السوق الدولية للاقتصاد الفضي هنا الجزء المتخصص من الإنفاق الموجَّه للسلع والخدمات المصممة بشكل خاص لكبار السن) بنحو 4.2 تريليون دولار في العام ذاته، ما يمثل 25% من إجمالي إنفاق الأفراد الذين تزيد أعمارهم على 60 عامًا، وبمعدل نمو سنوي 7.6%، مع استبعاد الإنفاق العام كالرعاية الصحية المدعومة والدعم الاجتماعي.
أعداد سكان العالم
ويُتوقع بحلول عام 2030 أن يصل سُدس سكان العالم إلى 60 عامًا فما فوق، ويرتفع عددهم من مليار نسمة في عام 2020 إلى 1.4 مليار نسمة عام 2030، كما يُتوقع أن يتضاعف عدد البالغين 60 عامًا فما فوق ليصل إلى 2.1 مليار نسمة بحلول عام 2050، بينما يزيد عدد الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 80 سنة فأكثر ثلاثة أضعاف بين عامي 2020 و2050 ليصل إلى 426 مليون نسمة.
ورغم أنّ هذا التحول في توزيع السكان المتسم بتزايد أعداد كبار السن بدأ في البلدان ذات الدخل المرتفع مثل اليابان، حيث يمثل الأشخاص فوق 60 سنة نحو 30% من السكان، فقد أصبحت البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل تشهد الآن الجزء الأكبر من هذا التحول، ويُتوقع أن تستضيف هذه البلدان ثلثي سكان العالم الذين تبلغ أعمارهم 60 عامًا فما فوق بحلول عام 2050.
منظمة الصحة العالمية
وبدأت منظمة الصحة العالمية (المكتب الإقليمي لأوروبا) أولى مناقشاتها مع الدول الأعضاء لإعداد استراتيجية إقليمية جديدة للشيخوخة بعنوان «الشيخوخة هي الحياة.. تعزيز الصحة والرفاهية مدى الحياة (2026 - 2030)»، وتهدف الاستراتيجية إلى دعم البلدان لبناء مجتمعات وأنظمة صحية أكثر شمولًا لكبار السن، من خلال التركيز على الوقاية وتحويل أنظمة الرعاية وتهيئة بيئات تمكِّن الأفراد من العيش في الشيخوخة بصحة وكرامة، مع تشجيع الاستثمارات طويلة الأجل في بيئات تمكينية تدعم الشيخوخة الصحية للأجيال القادمة.
واعتبر صندوق الأمم المتحدة للسكان أنّ شيخوخة السكان تمثل انتصارًا عالميًا للتنمية، لكنها تتطلب إعادة التفكير في الركائز الأساسية للمجتمع الحديث، مثل خطط التقاعد، وأسواق العمل، والرعاية الصحية، والتعليم، والإسكان، والبنية التحتية. ومن أجل مساعدة البلدان في مواجهة تحديات انخفاض الخصوبة والهجرة وتغير التركيبة السكانية، أطلق الصندوق برنامج المرونة الديموجرافية لدعم الدول في كل مرحلة من مراحل التحول الديموجرافي.
أوضح التحليل أنّ التداعيات الاقتصادية لشيخوخة السكان عالميًا متعددة الأبعاد، نتيجة تغير معدلات الخصوبة والوفيات والهجرة. ونظرًا لمرور دورة حياة الفرد بمراحل الميلاد والتعليم والعمل ثم التقاعد، فإن الحدود العمرية للنشاط الاقتصادي والتقاعد مقارنة بمتوسط العمر المتوقع تؤدي دورًا حاسمًا في الأداء الاقتصادي؛ فارتفاع نسبة السكان في سن العمل (15 - 64 عامًا) يدعم عرض العمل والنمو، بينما زيادة نسبة إعالة كبار السن (65 عامًا فأكثر مقارنة بالسكان في سن العمل) تفرض ضغوطًا على النمو والمالية العامة بسبب ارتفاع الإنفاق على المعاشات والرعاية الصحية وطويلة الأجل، خاصة مع امتداد سنوات الحياة بعد التقاعد.
وأسهم التوسع الكبير في شريحة كبار السن في بروز فرص استثمارية وابتكارية واسعة في عدة قطاعات، ففي الصحة، يشهد قطاع الطب نموًا ملحوظًا مع ارتفاع الطلب على الخدمات الطبية والتقنيات الصحية المتقدمة التي تلبي احتياجات كبار السن.