ضبط زوايا الزواج والعطلة

أمينة خيرى

أمينة خيرى

كاتب صحفي

ما زالت «ملاكمة» قوانين الأحوال الشخصية مستعرة. وما زالت أسباب تحول الموضوع إلى معركة أو منازلة أو اقتتال أو استقطاب على أشدها، وذلك لأسباب لا تتعلق لا بالزواج، أو بالأطفال، أو لصالح الزوجين كإنسانين كاملي الأهلية، وبالطبع لا تمت بصلة لشيء اسمه السعادة.

في الجلسة التي أشرت إليها في مقال سابق، والتي عقدها المجلس القومي لحقوق الإنسان لمناقشة القانون مع عدد من النواب والإعلاميين والكتاب والشخصيات العامة، تحدثنا جميعاً، كلٌّ بوجهة نظره عن حقوق الزوجة، وحقوق الزوج، وتساءلنا حول المقصود بالمصلحة الفضلى للأطفال التي يبدو أن الجميع يستخدمها بكثرة رغم أن تعريفها غير متفق عليه من الأصل، وكذلك عن الشق الديني في القانون الذي يرى البعض -وأنا منهم- أنه يجب أن يكون مدنياً شأنه شأن بقية القوانين في الدولة المدنية، وفجأة وقع المحظور! طرحت الكاتبة والروائية الأستاذة سلوى بكر سؤالاً نزل كالصاعقة على الجميع. قالت بهدوء شديد: وماذا عن السعادة؟ سعادة الرجل، وسعادة المرأة، وسعادة الأبناء والبنات؟

وبقدر بساطة السؤال، بقدر تعقيده الذي أصاب الجميع بصدمة، حتى إن البعض ضحك بصوت عال. لم تكن ضحكة سخرية من السؤال، ولكنها سخرية الصدمة. صحيح، يفترض أن الزواج في الأصل يضفي المزيد من السعادة على حياة الناس، رجالاً ونساء، وهي السعادة التي يورثونها للأبناء الذين ينجبونهم في هذه الشراكة السعيدة. لماذا وكيف ومتى إذن، تم تفريغ المنظومة من ألفها إلى يائها من مكوِّن السعادة هذا؟

أقول بدأت عملية التفريغ مع تحويل الزواج أولاً إلى «شر لا بد منه»، أو بمعنى آخر إجبار الناس على الزواج، حتى لو كانوا غير راغبين وذلك على اعتبار أن الإنسان يبقى منقوصاً حتى يتزوج، ولو حتى انتهى الزواج بالطلاق بعد شهر أو شهرين، المهم أن يتم وضع علامة «صح» أمام الخانة. وبدأ تفريغ المنظومة من مكون السعادة أيضاً، حين تحول الزواج إلى طاولة مفاوضات بين طرفي «مشروع النزاع». يضغط فريق كل من الطرفين على الآخر بغرض أن يعصر جيوبه أكثر، ويضمن حق الطرف الآخر، غالباً الزوجة، عبر ضمانات مادية، وهي أول ما يتفنن الزوج في التملص والتهرب منه عند أول عثرة. بمعنى آخر، «القايمة» والشبكة والمهر والمؤخر والشقة الـ17 غرفة، والأجهزة الكهربائية الخزعبلية، والمليون طقم صيني وخشاف وقهوة وشاي وبطاطين وغيرها لا تنفع الزوجة ببصلة وقت الخلاف. وبقية الألاعيب والحيل وأساليب الضغط، التي عادة يتفنن طرف بعينه، وربما الطرفان في ممارستها باسم «الأبناء»، تمضي قدماً كما نعلمها جميعاً.

ونستيقظ فجأة على سؤال الأستاذة سلوى بكر: وماذا عن السعادة؟! يصدمنا، ويجرحنا، ويحرجنا، ويخبرنا أننا حوّلنا الزواج إلى «مشروع نزاع» تارة، وأرض معركة تارة أخرى، وساحة استعراض عضلات في أي الطرفين قادر على العكننة على الآخر، سواء باسم الدين، أو العادات والتقاليد، أو القانون دائماً. وبذلك، تبقى منظومة الزواج عبارة عن شاسيه حديد متنازع عليه، بعيداً عن مكوناتها الحيوية من موتور وبطارية وإطارات وغيرها.

شاسيه آخر في حاجة إلى ضبط وربط، أو على الأقل معرفة كيف يتم ضبطه وإعادة ربطه، ألا وهو أسعار الفواكه والخضراوات والسلع الغذائية في الأسواق. جميل جداً مطالعة الأخبار التي تشير إلى جهود وحملات ضبط الأسواق، لا سيما في المواسم والأعياد. حملات رقابية، وأخرى تموينية يجري إخبارنا أنها تتم يومياً في الأسواق. لكن ما المقصود بها، وما علاقتها بالأسعار؟

هذا سؤال استفساري، وليس استنكارياً. والسبب هو أن الأسعار تبدو للمواطن العادي أنها تمضي قدماً في طريق النشوء والارتقاء، من مرتفع إلى مرتفع جداً إلى ملتهب إلى مستعر. أحياناً تشير فاتورة السوبر ماركت إلى ارتفاع مقداره خمسة أو عشرة جنيهات في سعر المنتج نفسه بفارق زمني أقل من أسبوع.

نقدر تماماً معركة تكسير العظام الدائرة حول مضيق هرمز، ونعي بكل احترام وتبجيل التوترات الجيوسياسية، وأزمات الطاقة العالمية، وتغير مناخ الكوكب وغيرها. ونعرف أيضاً أن دولاً عدة، وبينها دول رفاه ورخاء تعاني مشكلات تتعلق بسلاسل الإمداد الغذائي، إلخ، ولكن وتيرة الارتفاع في السوق لدينا غريبة وفريدة. وأضيف إليها سؤالي الساذج: ما المقصود بضبط الأسعار والأسواق؟ أي كيف يتم ضبطها؟

ولأن «ضبط الأسواق والأسعار» عبارة تتردد كثيراً هذه الأيام وذلك بمناسبة عيد الأضحى المبارك، كل عام والجميع بألف خير، وعلى هامش العيد وإجازته الطويلة، أعاده الله علينا بالخير، وعادت علينا الإجازة بقدر من السعادة والهناء وراحة البال، هذا لا يمنع من طرح سؤال: كيف نقضي هذه الإجازات الطويلة؟ بالطبع الفتة وما تيسّر من بروتين، واللقاءات الأسرية، والتجمعات الاجتماعية مكون رائع، ولكن ماذا نفعل بقية الوقت؟ وهل تحتاج عطلاتنا الطويلة إلى ضبط وربط زوايا هي الأخرى؟