من النزوح إلى أمواج البحر.. أطفال غزة يواجهون الحرب والحر بلحظات فرح
من النزوح إلى أمواج البحر.. أطفال غزة يواجهون الحرب والحر بلحظات فرح
على امتداد شاطئ غزة، تتجاور الخيام مع البحر، يركض الأطفال حفاة فوق الرمال الساخنة، يضحكون بصوت عالٍ وكأنهم يحاولون هزيمة الحرب ولو للحظات قليلة، وبالقرب من المخيمات المكتظة بالنازحين، أصبح البحر مساحة النجاة الوحيدة، وملاذًا صغيرًا يهرب إليه أطفال القطاع من الخوف والجوع وصوت القصف الذي لا يغيب تماماً عن المكان، يقفزون في البحر، يضحكون، ويتشبثون بأحلامهم البسيطة رغم كل شىء، وبينما تحاصرهم الحرب من كل اتجاه، يُردد أطفال غزة جملة الشاعر الفلسطينى الكبير محمود درويش التي أصبحت مرادفاً لصمودهم: «نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا».

أطفال غزة يقفزون في البحر
في ساعات المساء يتحول الشاطئ إلى عالم آخر، عشرات الأطفال يقفزون في المياه، يتسابقون، أو يلتفون حول شباك الصيادين القديمة في محاولة لصناعة لعبة من أى شىء، وكأن هؤلاء الصغار لم يعيشوا الحرب بكل قسوتها، لكن نظرات خاطفة تختبئ خلف ضحكاتهم، أو خيام النزوح الممتدة خلفهم مباشرة.

الطفل محمود المصرى، 13 عاماً، كان يقفز من فوق رصيف صغير إلى البحر، ثم يعود مسرعاً ليُكرر القفزة مرة أخرى بابتسامة واسعة التقطتها عدسة المصور الفلسطينى مجدى فتحى، الذي أخذ على نفسه عهداً بتوثيق أفراح وأحزان أهالى قطاع غزة: «لما بننزل البحر بننسى الحرب شوية، بنحس إننا عايشين».
ورغم أن الطفل نزح مع أسرته من شمال القطاع إلى أحد المخيمات الساحلية، لكنه بعد شهور طويلة داخل الخيام، أصبح البحر بالنسبة له مساحة حرية لا يجدها في أى مكان آخر، خصوصاً بعدما هدأت الحرب نسبياً.

كاميرا فلسطيني توثق حياة الأطفال
لم يكن «محمود» وحده هو ما وثقته كاميرا المصور الفلسطينى، فالطفل عودة دغمش، يجلس ساعات طويلة قُرب المياه ممسكاً بقطعة خشب صغيرة صنع منها قارباً بدائياً، يحركه مع الأمواج ويتخيل نفسه مسافراً بعيداً عن الحرب: «البحر كبير أكبر من الخوف»، وخلفه مباشرة، كانت الخيام الرمادية مصطفة في مشهد يبدو أقرب إلى مدينة مؤقتة لا تعرف متى تنتهى، ورغم صعوبة الحياة داخل المخيمات، يتمسّك الأطفال بأى فرصة للعب واللهو، بعضهم يصنع كرات من القماش القديم، وآخرون يحولون شباك الصيد الممزقة إلى ألعاب، فيما يُفضّل كثيرون السباحة، حتى مع غياب أبسط وسائل الأمان، فالبحر ليس رفاهية، بل محاولة جماعية للهروب من ضغط الأيام الثقيلة.

يحاول الأطفال تثبيت موعد الذهاب إلى البحر أكثر من انتظار الطعام أحياناً، حسب مجموعة من الصغار، بينهم الطفلة علياء المدهون: «في الخيمة مفيش مساحة نتحرك فيها، البحر هو المكان الوحيد اللى بنخرّج فيه طاقتنا وبقينا أكثر تعلقاً بالمياه منذ النزوح، تمنحنا شعوراً مؤقتاً بالحياة الطبيعية التي فقدناها».

وعلى أحد الأرصفة القريبة من الميناء، تجمّع عدد من الصبية حول صياد عجوز يساعدونه في فك الشباك، بينما يضحكون ويتبادلون المزاح، كان المشهد يبدو عادياً في أي مدينة ساحلية، لولا أن المبانى المدمّرة والخيام المنتشرة في الخلفية تكشف حجم المأساة التي يعيشها أهل غزة منذ السابع من أكتوبر عام 2023.
مع غروب الشمس، يعود الأطفال تدريجياً إلى خيامهم، تتبلل ملابسهم بمياه البحر، وتمتلئ وجوههم بالملح والرمال، لكن الضحكات تبقى حاضرة، ليظل البحر شاهداً على قدرة الأطفال المذهلة في التشبّث بالحياة، مهما ضاقت بهم الأرض.