الأدب والجنون
هذا كتاب جديد للمثقف الدكتور شاكر عبدالحميد (20 يونيو 1952 - 18 مارس 2021) قبل وبعد أن يكون وزيرا لثقافة مصر. أصدرته الهيئة المصرية العامة للكتاب، وأهداه لى رئيس مجلس إدارتها الدكتور خالد أبو الليل.
والكتاب فضلاً عن قيمة وأهمية مؤلفه فهو يتناول قضية خطيرة طالما أُثيرت من قبل أكثر من مرة، ألا وهى العلاقة بين الإبداع الأدبي والجنون. أو بالتحديد كما يحب المؤلف أن يُسمى الأمور بأسمائها، فهو يتناول قضية الإبداع الفني والمرض العقلي. وهي التي أيَّدها البعض، بل إن هناك من ذهب إلى التلازم بين الإبداع والمرض العقلي، مثل: الفيلسوف الغربي دريدا الذي قال بأن المواهب العظيمة قرينة الجنون. ولامبروزو الذي اعتبر العبقرية تعبيراً عن العقل المريض، في حين أن هناك من نفى هذا ووقف ضده وأكد أنه لا علاقة بين الموهبة والجنون.
يؤكد المؤلف أن الاهتمام ببدايات ظاهرة الجنون عبر تاريخ الإنسان تم في أذهان الباحثين من خلال ما يسبق الإبداع الأدبي من هلاوس وخيالات كان من الصعب علاجها في الطب النفسي القديم. وعموماً فإن صاحب الكتاب يؤكد أن التركيز على شخصية المؤلف أكثر من أعماله الإبداعية يكون من خلال الاستفادة من بعض المفاهيم الشائعة في مجالات الطب النفسي، مثل الهلاوس وتَطَيُّر الأفكار، واضطرابات شكل ومحتوى اللغة والكلام، واختلال الشعور بالذات، وتفكك الشعور بالواقع.
فقد عكس الاهتمام بالجنون في حالات كثيرة مجموعة من القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفنية السائدة في فترة زمنية معينة. كما أنه عكس أيضاً وجهة نظر الأديب في هذه القضايا. وإن كان صاحب الكتاب يؤكد أنه يحب استخدام تعبير المرض النفسي باعتباره أكثر شمولاً، لأنه يضم تحته كل أنواع الاضطرابات النفسية العنيفة التي تُسمى بالاضطرابات العقلية. وهى يمكن أن توصِّل بعد ذلك للجنون. ولعل هذا هو سبب الربط بين الجنون والإبداع الأدبى.
ويؤكد المؤلف أن الطب النفسي، باعتباره تاريخاً للصراع بين النظريات المادية والنظريات المثالية، قد حدثت له هزائم كثيرة متوالية لكل من حاول تفسير الظاهرة من خارجها بإرجاع المرض النفسي إلى تأثير الأرواح الشريرة أو السحرة أو التلبُّس الشيطاني أو غير ذلك.
إن هذه القضية قد استثارت اهتمام الباحثين والعلماء والفنانين والبشر العاديين، طالما ثار الخلاف حولها وطالما انقسم المتناقشون بشأنها إلى فرقٍ وأحزابٍ كثيرةٍ متصارعة. وإن كان الجميع ممن تناقشوا فى هذه الأمور عبر التاريخ قد اتفقوا على وجود تلازم دائم بين الإبداع والمرض العقلي.
هذا بينما نفى كثيرٌ منهم هذه العلاقة ورفضوها تماماً، استناداً إلى أن الإبداع الأدبى يقوم في أساسه على ملكة التنظيم التي يمتلكها الأديب والفنان ويقوم من خلالها بعمليات تنظيم لعالمه الخارجى والداخلى. وهى عمليات تتم دون أن يستطيع من تحدث له أن يحدد أمورها بدقة وبشكلٍ محدد.
إن المؤلف، وهو عالِم نفسي قبل أن يكون وزيرًا للثقافة ومثقف له مؤلفات كثيرة، من الذين يؤمنون أن الإبداع الأدبي يؤدي إلى الجنون. والواقع والتاريخ وما نراه في حياتنا يثبت قبول فكرة العلاقة بين الإبداع الأدبي والجنون.
والمؤلف ينتمي لهذه الفئة تماماً، ويحاول إثباتها في فصول كتابه، وإن كنتُ آخذ عليه، والرجل لم يعد من أهل دنياناً فقد رحل قبل سنوات، أنه يُقدِّم نظرياته من خلال أدباء غربيين. مثل: إدجار آلان بو الأمريكى، وبلزاك الفرنسي، وجيرار دو نرفال الفرنسي، ويحاول في هذا الكتاب إثبات العلاقة بين المريض النفسي والإبداع الأدبي.
ويُثبت هذا من خلال سلوكيات وتصرفات مؤلفين طالما أُعجبنا بهم واعتبرناهم علامات مهمة في تاريخ الأدب مثل: شكسبير، وديستويفيسكى، وأنطون تشيكوف، وكافكا، وتوماس مان، وهم رموز أساسية للأدب الغربي طالما جرينا وراءها سنوات طويلة. بل إنه لا يتوقف عند تطبيق هذه الأمثال على أدباء غربيين، بل يتناول يوسف إدريس، ونجيب محفوظ، وبعض أعمال عبدالرحمن منيف، ويحيى الرخاوى، ليُثبت من خلالها أن مقدمات الجنون الموجودة في هذه الأعمال سببها عمليات الإبداع الأدبي عندهم جميعاً.
إنه يؤكد لنا مقولة غربية ترى أن الموهبة العظيمة قرينة الجنون، علماً بأن حضارتنا الشرقية ترفض هذا الكلام رفضاً قاطعاً.