أشرف غريب يكتب: لماذا فاز الزمالك بالدوري؟
أشرف غريب يكتب: لماذا فاز الزمالك بالدوري؟
فعلها الزمالك وفاز ببطولة الدوري العام لكرة القدم موسم 2025-2026، تجاوز كل حسابات العقل والمنطق في بداية الموسم، التي قالت إنه سوف يعيش موسماً صفرياً يخرج منه بلا أي إنجاز، فإذا به يحقق الإعجاز، ويكسب الماراثون الطويل، متخطياً أقرب منافسيه ليس بفعل المواجهات المباشرة أو حتى فارق الأهداف، وإنما بفارق النقاط، فعلها الزمالك، فبُهت الذين نظروا إليه هذه النظرة الدونية، وتصوروه ثالثاً أو حتى رابعاً خارج المنافسة، المنحصرة بين من هم أكثر استقراراً مادياً وفنياً وإدارياً، فإذا به يسبقهم إلى منصة التتويج، ويقبض على الدرع الثمين في ليلة لن تنساها الرياضة المصرية، ولولا ضربة جزاء طائشة لكان قد جمع بين البطولتين المحلية والقارية في موسم استثنائي ينظر إليه اليوم منافسوه بكثير من الإعجاب، والحسرة أيضاً.
نعم كان موسماً صعباً وعصيباً، كل شيء فيه كان يدعو للإحباط والتعامل بواقعية مع ظروف مربكة، قلما تجتمع في وقت واحد لدى فريق كروي، ولست في حاجة إلى تكرار ما بات معروفاً من أزمات قيد وغرامات مالية بملايين الدولارات، ولاعبين يتركون الفريق في منتصف الموسم، سواء بالبيع أو بالرحيل، اعتراضاً على عدم تسلمهم لمستحقاتهم المالية، دون أن يكون للفريق أي فرصة في تدعيمات تعويضية، لست في حاجة إلى التذكير بتناوب ثلاثة أجهزة فنية على فريق بلا «سكواد» وبأرض يتم سحبها من النادي، وبفرق جماعية أخرى كاليد والسلة والطائرة تنهار داخل النادي كان من الممكن أن تصدر الإحباط والضغوط لفريق الكرة، ومع ذلك كله فعلها الزمالك، رغم أنه لو لم يفعلها لما لامه أحد، بل والتمسنا له الأعذار واعتبرناه شهيداً وليس مقصراً بعكس منافسيه الذين توافرت لهم كل أسباب النجاح، لكنهم لم يحققوه أو حتى اقتربوا منه هذا الموسم.
ولهذا سوف يبقى إنجاز الزمالك جديراً بالتأمل واستخلاص المعاني، والوقوف على ما هو أبعد من مجرد هبوط طائرة الدرع على أرض استاد القاهرة:
أولاً: إذا حاول المنافس إضعافك من الداخل، وإفراغ فريقك من أبرز عناصره، فإنك تستطيع أن تستمد قوتك ليس فقط من إصرارك وقبولك التحدي، وإنما من محبيك وعشاقك وأولئك المتيمين بقميصك كياناً ورمزاً ومعنى وانتماءً حقيقياً في المر قبل الحلو، والانكسارات قبل الانتصارات، لقد كان جمهور الزمالك هو الإكسير الذي قاد العربة، والوقود الذي أطلق الأحلام إلى عنان السماء، والداعم الفعلي وقت أن خذله من كانوا من المفترض أن يكونوا سنده وظهره.. ومن هنا فإن الفائز الحقيقي بإنجاز الدوري هو جمهور نادي الزمالك وعشاقه المخلصون.
ثانياً: على المنافس إدراك أن الأمر ليس بإضعاف خصمك وحشد كل الأسماء الكبيرة في فريق واحد، وإنما البحث عن احتياجاتك الحقيقية، والتيقن بأن من أتاك مهرولاً من أجل المال لن يخلص لك، وإنما من الجائز جداً أن يكون معولاً في هدمك من الداخل وتصدير المشكلات إليك، وأعتقد أن التجربة الآن برمتها بحاجة إلى إعادة تقييم من جانب المنافس، أي منافس.
ثالثاً: آن الأوان كي نعطي الرجل الصامت حقه، هذا الرجل الذي تحمل الكثير من الهجوم، وارتفع بصبر عجيب فوق كل الضغوط، لقد نجح جون إدوارد وجهازه الإداري في إبعاد الفريق عن كل المشكلات والصعاب التي واجهته، واستطاع امتصاص كل العقبات واحتواء أزمات الفريق وما أكثرها، رغم أن ما تسرب منها إلى وسائل الإعلام قليل، وهو في ذاته نجاح إضافي لم يكن يعرفه في السابق فريق الكرة بالزمالك، ولهذا لا يجب أن ننسى أو نغفل أن المنظومة الإدارية بالفريق بقيادة جون إدوارد وعبدالناصر محمد هي شريك أصيل في هذا الإنجاز بعيداً عن مجلس الإدارة، الذي ربما كانت حسنته الوحيدة أنه أتى بجون إدوارد ونأى بنفسه عن ملف الفريق الأول، ففاز الزمالك بالدوري.
رابعاً: في أحيان كثيرة، خاصة في أوقات الأزمات والمحن يكون الفريق بحاجة إلى الإخلاص أكثر منه إلى القدرات الفنية، وهذا ما فعله المدير الفني معتمد جمال حين أخلص لتجربته ولناديه الذي تربى فيه وصنع اسمه، وتعامل بواقعية مع قوام فريق ينقصه الكثير فردياً وجماعياً، فاستطاع توظيف إمكانياته المحدودة لتحقيق الهدف، ونجح في اللعب على دوافع الفوز لدى لاعبيه، وهي أمور لم يكن يستطيع تفهمها أو الصبر عليها مدير فني أجنبي يبحث عن الإنجاز السريع سابق التجهيز، حفاظاً على اسمه في سوق التعاقدات، صحيح أن معتمد جمال كان اختيار الضرورة، في ظل أزمة مادية خانقة لم تكن لتسمح لإدارة النادي بالاستعانة بمدير فني أجنبي، لكن يكفيه أنه كان على قدر المسؤولية والكفاءة في تحقيق الإنجاز الكبير.
خامساً: على مجلس إدارة الزمالك الاستفادة مما حدث، والتأسيس عليه، وعدم الارتكان إلى الاستثناء، فهذا الموسم هو استثنائي بكل المقاييس، عليهم الأخذ بالأسباب الفعلية التي تضمن لهم الاستمرار في تحقيق أمنيات ملايين العشاق، الذين أحاطوا الفريق بكل هذا الحب والإخلاص، والذين لن يرضيهم إلا النظر إلى معشوقهم وهو فوق منصات التتويج.
سادساً: فاز الزمالك بخمس عشرة بطولة دوري حتى الآن، لكن دوري 2026 سيبقى الأغلى والأهم في مسيرته، لأنه جاء من رحم المعاناة، والأعظم أنه سيظل تجربة ملهمة أمام أجيال قادمة عليها أن تدرك أن المنافس -أي منافس- لن يتوقف عن إضعافك وتصدير المشكلات لك، وعلى هذه الأجيال أن تعي جيداً أنه لا مستحيل مع توافر إرادة الفوز، ولا يأس مع تصديق الحلم والإيمان به.