حجة الوداع.. وحديث الغدير
أحداث جسام شهدتها رحلة عودة النبي، صلى الله عليه وسلم، من حجة الوداع، تعلق أخطرها بشخصية علي بن أبي طالب الذي تمتَّع -كما حكيت لك بالأمس- بظهور خاص في هذه الحجة. فالمنحازون للصحابي الجليل يرون أن النبي اختار ابن عمه خليفة له بعد وفاته، في حين يرى غيرهم أن الأمر لم يكن اختياراً لـ«علي» بل كان تحديداً لمكانته لدى النبي، صلى الله عليه وسلم.
وقد تعددت الأحداث والأحاديث التي يستدل بها المنحازون لـ«علي» على أن النبي اختاره خليفة له بعد انتهاء حجة الوداع، من ذلك ما يذكره «ابن كثير» في «البداية والنهاية» عن ابن عباس عن بريدة قال: «غزوت مع عليّ اليمن فرأيت منه جفوة، فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرت عليّاً فتنقصته، فرأيت وجه رسول الله يتغير، فقال: يا بريدة، ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قلت: بلى، يا رسول الله، قال: من كنت مولاه فعليّ مولاه». وبريدة هذا هو بريدة بن الحصيب بن عبدالله الذي أسلم حين التقى النبي خلال أحداث الهجرة من مكة إلى المدينة.
وينقل «ابن كثير» عن أبي الطفيل عن زيد بن أرقم قال: لما رجع رسول الله من حجة الوداع ونزل غدير خم (الغدير هو النهر الصغير) أمر بدوحات فقممن (أي طلب تنظيف مكان تحت مجموعة من الشجرات الظليلة ليخطب في الناس) ثم قال: كأني قد دعيت فأجبت، إني قد تركت فيكم الثقلين؛ كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض، ثم قال: الله مولاي وأنا وليّ كل مؤمن، ثم أخذ بيد عليّ فقال: من كنت مولاه فهذا وليه، اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه، فقلت لزيد: سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال ما كان في الدوحات أحد إلا رآه بعينيه وسمعه بأذنيه.
وينقل «ابن كثير» أيضاً عن البراء بن عازب قال: أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، فنزل في الطريق، فأمر الصلاة جامعة، فأخذ بيد عليّ فقال: ألست بأولى المؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: بلى. قال: ألست بأولى بكل مؤمن من نفسه؟ قالوا: بلى. قال: فهذا ولي من أنا مولاه.. اللهم والِ من والاه وعادِ من عاداه.
الأحاديث السابقة تشير إلى أن النبي كان يشعر بالضعف يدب في جسده بعد حجة الوداع وأن أجله قد اقترب (كأني قد دعيت فأجبت)، وقد أراد أن يوصي بأهل بيته قبل وفاته، وعلى رأسهم علي بن أبي طالب، زوج ابنته فاطمة ووالد حفيديه الحسن والحسين وحفيدته زينب، ويرى الشيعة أن العبارة التي قال فيها النبي: (من كنت مولاه فهذا وليه.. اللهم والِ مَن والاه وعادِ من عاداه) حملت دعوة لمبايعة علي بن أبي طالب خليفة للنبي بعد وفاته، في حين حمل الحديث من وجهة نظر السنة وصية من النبي بأهل بيته (العترة تعني النسل والذرية).
الشيء اللافت أنك لا تجد في المشاهد المختلفة التي احتضنت حديث الغدير، غدير خُم، أحداً من كبار الصحابة حاضراً فيه، سواء من الخلفاء الراشدين: «أبي بكر وعمر وعثمان»، أو أي من أهل الشورى: عثمان وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وعبدالرحمن بن عوف، رغم أن كافة الصحابة رافقوا النبي صلى الله عليه وسلم في «حجة الوداع». وتستغرب أيضاً حين تجد بعضاً من كبار الصحابة يرفضون بيعة أبي بكر الصديق في السقيفة، ويعتصمون -أو شبه ذلك- بدار فاطمة بنت محمد، مثل علي بن أبي طالب، والعباس بن عبدالمطلب، والزبير بن العوام، وسلمان الفارسي، وعمار بن ياسر وغيرهم.