فتة العيد وقيم الأسرة وتسلل الجماعات

أمينة خيرى

أمينة خيرى

كاتب صحفي

يمضي العيد، ويمضي معه المصريون في ابتداع كل ما يمكن ابتداعه من صنوف الاستمتاع، كل حسب مقدرته. من أروع ما في الأعياد هذا الإصرار المصري الأصلي على شيئين رئيسيين: الفرحة بشكل أو بآخر، والمحافظة على المتوارث في مظاهر الاحتفال بدرجات متفاوتة.

الضغوط الاقتصادية نالت من الجميع، ورغم ذلك، يطل عنصر البحث عن منافذ للسعادة، لا سيما في العيد. تبدأ بسفر هذه الأعداد الضخمة من الوافدين من مدن وقرى خارج القاهرة والجيزة لقضاء أيام العيد مع الأسرة «في البلد». يبقى عدد محدود من «الأبطال» للإبقاء على المخابز وبعض محلات السوبر ماركت وغيرها مستمرة في العمل، ورغم ذلك يحتفون بالعيد مع بعضهم البعض بما تيسر من موارد.

بطلا عيد الأضحى الفتة المصرية الأصيلة والرقاق. ومنذ نسمات صباح اليوم الأول، تنبعث روائح التقلية الشهيرة وينافسها عبق الرقاق في الفرن، وتستوى في ذلك البيوت الفارهة الثرية، وكذلك البسيطة المتواضعة، وما بينهما.

في هذه الأيام، وفي تلك الطقوس، وبهذا الإصرار على الحفاظ على صميم الثقافة المصرية تهدأ الجهود المستميتة التي يتم بذلها للإبقاء على الشارع المصرى في حالة احتقان وتحفز وتربص دائمة. إذا هدأت فورة الذكور للإجهاز على النساء وحقوقهن وكيانهن في قوانين الأحوال الشخصية لضمان كسر رقبة المرأة وكرامتها وإنسانيتها، تشتعل جبهة الكلاب وكأنها صراع من أجل البقاء.

تبدو ملامح هدوء نسبى في هذا الشأن، فيهرع خبراء التوليع إلى خناقة أخرى، وحبذا لو تم سبغها بنكهة دينية لتبدو وكأنها غزوة دفاع عن الدين. تأخذ وقتها، وتحرق ما تحرق في طريقها، وتؤجّج ما يمكن تأجيجه، وهكذا.

وحين تنضب مصادر التوليع، وتجف ينابيع التأجيج، يفتح أحدهم درج «قيم الأسرة المصرية» ليبقي على المشاعر ملتهبة وعلى العواطف «مشعوطة».

النقاش وتبادل وجهات النظر والاستماع إلى آراء الآخرين أمور حضارية مهمة في المجتمعات. ومن يتصور أن المجتمع المثالى هو ذلك الذى يسود فيه رأى واحد، ويعتنق فيه الناس مبادئ وأفكاراً متطابقة، ويرتدون فيه جلباباً واحداً، عليه أن يراجع منطقه في ما يختص بالمثالية، لأن مثل هذا المجتمع ميت بامتياز.

ومن يهيأ له أن المجتمع الأفضل هو ذلك الذى يهمين فيه الذكور على النساء، ويسلبون حقوقهن، وينجحون في قمعهن أو إهانتهن أو إقناعهن بأنهن كائنات أدنى، هو صاحب فكر مريض، وعليه مراجعة طبيب.

إصرار البعض على تحويل المجتمع المصرى المعروف بتسامحه إلى مجتمع مستنفر مستفز طوال الوقت يحتاج تدخّلاً ما. ما يحتاج العلاج والمواجهة هو ذلك العمل الدؤوب على اختلاف معضلة طوال الوقت تستدعى استنفار فريقين: واحد مع والثانى ضد. وللأسف الشديد أن هذا البعض يلجأ إلى أقبح الأسلحة وأشنعها، ألا وهى الشتائم القذرة. وما يثير العجب حقاً أن هذه الكتائب أو الفرق أو المجموعات تنشط بشكل ملحوظ وتجتهد بشدة حين يتعلق الأمر بمسألة يكسبونها سمة دينية.

قبل أيام، نشرت صديقة صورة على صفحتها على «فيسبوك» التقطتها من محطة مترو، وتظهر فيها ملصقات عاودت الانتشار في شوارعنا وعلى جدران مبانينا، وفي داخل بعض المصالح والمراكز التجارية، لا سيما في المناطق الشعبية، تحمل رسائل دينية. إنها الظاهرة التي تتسلل منها الجماعات إلى المجتمع تدريجياً، والمصحوبة بمعاودة انتشار الزوايا بين كل مسجد وآخر، وانتهاك حرمة الأرصفة حتى تقام الصلاة جماعة أمام المحلات، وغيرها من الأدوات التي هى ظاهرها طاهر برىء طيب القلب يحمل شعار «من يكره الدين ونشر التعاليم؟» وباطنها منزوع البراءة.

هذه الجماعات المستعيدة نشاطها بشكل واضح وصريح وكبير تعرف جيداً من أين تُؤكل الكتف. في عرفها، المعترض على انتشار الزوايا العشوائية هو بالتأكيد مُلحد زنديق. والمعارض لأن يقوم كل من هب ودب بلصق منشورات دينية على الجدران هو دون أدنى مجال للشك كافر أو مشرك.

وما جرى من تعليقات على ما نشرته الصديقة أبرز مثال. الرجال الذين انتقدوا تسلل هذه الفوضى مجدداً إلى الشارع تحولوا بفعل «كتائب الإيمان» إلى زنادقة و«ديوث». والنساء اللاتي أبدين موقفاً رافضاً لهذا الإصرار على تحويل الشارع إلى ساحة نشر دعوية وكأن الإسلام لم يدخل مصر أصبحن عاهرات وزانيات وساقطات، وذلك على يد من اعتبروا أن واجبهم الدفاع عن الدين عبر الدفاع عن فوضى وعشوائية نشر حابل الشارع بنابل الدعوة.

هذه الظاهرة الاستقطابية، وتلك السموم الفكرية، وهذه العودة غير المحمودة لوقوع الشارع في قبضة جماعات وأفكار مسمومة، سواء تلك التي تصنع من الكلاب أرض معركة، أو من قانون الأحوال الشخصية غزوة دينية، أو من لافتات عشوائية فوضوية فرصة لتفتيت المجتمع، واختلاق فتن وصراعات واحتقانات تتخذ من الـ«ولا حاجة» نقطة انطلاق، خطر على المجتمع والدولة. اللهم بلغت، اللهم فاشهد.