أشرف غريب يكتب: في عيد ميلاد الإذاعة المصرية

كتب: محرر

أشرف غريب يكتب: في عيد ميلاد الإذاعة المصرية

أشرف غريب يكتب: في عيد ميلاد الإذاعة المصرية

حتى الحادي والثلاثين من مايو 1934 كانت مصر تعيش ما يمكن تسميته بالفوضى الإذاعية، كانت عشرات الإذاعات الأهلية تقتحم أذن المستمع المتشوق إلى هذا الاختراع الجديد، بعضها للترويج لسلع بعينها، وأخرى للدعاية الانتخابية، بل وصل الأمر إلى قيام إحدى العصابات باستغلال الإرسال الإذاعي لبث مجموعة من الإشارات لتخدم نشاطها الإجرامي دون رقيب أو حسيب أو حتى قانون يحكم عمل تلك الإذاعات، لكن في هذا اليوم قبل اثنين وتسعين عاماً، وحتى قبل سنوات من بدء إرسال القسم العربي بهيئة الإذاعة البريطانية، نطقت الإذاعة المصرية الرسمية لأول مرة بالعبارة الشهيرة «هنا القاهرة» لتخرس إلى الأبد كل الإذاعات الأهلية، وتقضي تماماً على تلك الفوضى التي عرفها الأثير الإذاعي في ذلك الوقت.

صحيح أنها كانت حتى سنة 1947 تتبع إدارياً شركة «ماركوني»، لكن محتواها ومضامين برامجها كانت من وضع الرواد المصريين الأوائل، الذين كرسوا لأسس العمل الإذاعي ليس فقط في مصر وإنما في كل الدول العربية بعد ذلك، وعن طريق الإذاعة المصرية تعرف المستمع على أصوات الشيخ محمد رفعت وكوكب الشرق أم كلثوم ومطرب الأمراء محمد عبدالوهاب، وغيرهم من نجوم الإذاعة التي ساهمت بلا شك في ذيوع أسمائهم واتساع رقعة شهرتهم.

وعلى مدى عمرها الطويل حافظت الإذاعة المصرية على جاذبيتها وحضورها الواضح في التثقيف والترفيه وإذكاء الشعور الوطني بالانتماء، وخلقت لها قاعدة جماهيرية عريضة التفت حول جهاز الراديو منذ أن كان قطعة موبيليا ضخمة، وحتى ظهور «الترانزيستور» ثم عصر البث الرقمي، ونجحت في الستينات وما بعدها في امتصاص أثر البث التليفزيوني، الذي اجتذب بلا شك ملايين المشاهدين كشأن أي اختراع جديد، لكن الذي لا يمكن إنكاره أن امتداد الإرسال التليفزيوني إلى كل رقعة في مصر خلال الثمانينات واستمراره طوال الأربع والعشرين ساعة مع إبهار الصورة الملونة، ثم ظهور عصر الفضائيات والسماوات المفتوحة خلال التسعينات قد أفقد الإذاعة بعضاً من مستمعيها ليس في مصر فقط، وإنما في كل أنحاء العالم.

وقبل أسابيع كنت ضيفاً على هواء شبكة «صوت العرب» في اللقاء المفتوح «بالعربي»، الذي تقدمه مساء كل أحد الإذاعية اللامعة أمنية فكيه، وواقع الأمر أنه كان لقاء ممتعاً، تطرقنا فيه لكثير من قضايا الإبداع التي تهم المستمع العربي، ودور الإذاعة المصرية ولا سيما «صوت العرب» في تقديم الخدمة الإذاعية وفق طبيعتها والدور المرسوم لها، بعد الهواء سألتني أمنية فكيه سؤالاً مباغتاً:

ألا ترى أن الإذاعة المصرية قد استعادت في السنوات الأخيرة كثيراً من جاذبيتها وحضورها، واستردت بعضاً لا بأس به من مستمعيها، فضلاً عن مستمعين جدد لم يكونوا من هواة الاستماع إليها؟ فأجبتها عن قناعة ويقين: نعم حدث ذلك بالفعل في السنوات الأخيرة، وحقيقة الأمر فإنني حينما أتوقف أمام هذه الملحوظة المهمة أجد أنه من المستوجب أيضاً الاجتهاد في تفسيرها والبحث في علاتها:

أولاً: مع الزحام الشديد الذي تشهده الحالة المرورية زادت الفترات الزمنية التي بات المواطن المصري يقضيها على الطرق، سواء كان قائداً للسيارة أو مجرد مستقل لها، ومن ثم أصبحت المحطات الإذاعية المختلفة خير رفيق لهذا المواطن المحشور على الطرق وفي الشوارع، لا سيما مع اعتماد هذه الإذاعات على الفترات المفتوحة ذات الإيقاع السريع والمحتوى الخفيف المسلي المطعم بالأغنيات المفضلة لدى المستمع.

ثانياً: اعتماد هذه الإذاعات على البث عبر موجات (إف. إم) نقية الصوت، ما شجع المستمع على العودة للاستماع للإذاعة، بعد أن كانت ضوضاء الموجات المتوسطة وتشويشها قد أدت إلى نفور المستمع وابتعاده عن الإذاعة.

ثالثاً: أصبح أمام المستمع العديد من البدائل الإذاعية المتنوعة بل والمتخصصة أيضاً، التي أتاحت له فرصة التنقل بحرية بين الإذاعات واختيار ما يناسبه، خاصة مع فتح الهواء لاستقبال مداخلاته ومساهماته أثناء هذه الفقرات المفتوحة، دون إغفال للجانب الخدمي والإخباري الذي يحتاجه المستمع.

رابعاً: لا تزال الإذاعة أكثر قدرة من التليفزيون على التحرك سريعاً لمواكبة الأحداث الطارئة، وفتح قنوات اتصال مع المعنيين بها من أجل تقديم خدمة آنية للمستمع.

خامساً: أيضاً لا تزال الإذاعة هي الأنسب في تقديم الخدمة الثقافية تحديداً، والتي تحتاج إلى مزيد من التركيز والتدبر، وربما هذا يفسر استمرار بعض الشبكات الإذاعية، مثل البرنامج العام والبرنامج الثقافي وصوت العرب، في الحفاظ على طابعها الكلاسيكي المتوازن، حتى وهي تتحرر كثيراً من إيقاعها البطيء، ومن ثم احتفظت هذه الإذاعات بمستمعها التقليدي، الذي اعتاد الارتباط ببرامجها منذ سنوات مضت.

سادساً: تسهم شبكة الإذاعات المحلية التي تغطي محافظات مصر المختلفة في ربط المستمع ببيئته ومجتمعه، وتقدم له خدماتها الخاصة التي لا يجدها عادة في الإذاعات العامة.

واليوم والإذاعة المصرية تحتفل بعيد ميلادها الثاني والتسعين فإنني كواحد من مستمعيها المخلصين على ثقة في أن الرؤية الثاقبة لرئيس الهيئة الوطنية للإعلام، الكاتب الكبير أحمد المسلماني، سوف تقود إذاعتنا إلى مزيد من التقدم، خاصة في ظل وجود عقلية مستنيرة على رأس الإذاعة المصرية، هو الإذاعي الكبير عبدالرحمن البسيوني، فكل الأمنيات الطيبة للإذاعة المصرية في عيدها.


مواضيع متعلقة