أمين عام «البحوث الإسلامية»: فوضى الفتاوى تهدد وعي الشباب.. والذكاء الاصطناعي ليس مرجعا للفتوى

كتب: عبد العزيز سلامة

أمين عام «البحوث الإسلامية»: فوضى الفتاوى تهدد وعي الشباب.. والذكاء الاصطناعي ليس مرجعا للفتوى

أمين عام «البحوث الإسلامية»: فوضى الفتاوى تهدد وعي الشباب.. والذكاء الاصطناعي ليس مرجعا للفتوى

تصوير- محمد مدين

فى وقت تتسارع فيه منصات التواصل الاجتماعى فى صناعة «الفتوى»، وتتداخل فيه الأصوات بين المتخصص وغير المؤهَّل، تبرز تساؤلات واسعة حول حدود الخطاب الدينى، ودور المؤسسات الدينية فى حماية الوعى العام من الفوضى الفكرية والتفسيرات غير المنضبطة للنصوص الشرعية، وفى ظل هذا المشهد المتغير، يجد الأزهر الشريف نفسه أمام تحديات متشابكة تبدأ من مواجهة التطرف وخطابات الكراهية، ولا تنتهى عند التعامل مع تأثير الذكاء الاصطناعى والمنصات الرقمية على تشكيل الوعى الدينى لدى الشباب.

الدكتور محمد الجندى، الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف، يفتح فى هذا الحوار ملفات شائكة تتعلق بفوضى الفتاوى المنتشرة عبر وسائل التواصل، وحدود دور الواعظ فى الإفتاء، وآليات إعداد وتأهيل المفتين، إلى جانب رؤية الأزهر لقضية تجديد الخطاب الدينى وكيفية تحويلها من مجرد شعارات إلى ممارسة واقعية تلامس قضايا المجتمع وتحدياته اليومية.

ويتحدث «الجندى»، لـ«الوطن»، عن رؤية مجمع البحوث الإسلامية فى التعامل مع المتغيرات التكنولوجية الحديثة، مؤكداً أن الذكاء الاصطناعى لا يمكن أن يكون بديلاً عن العالم المتخصص أو مرجعاً معتمداً للفتوى، كما يوضح كيف يتحرك الأزهر لتعزيز حضوره داخل الفضاء الرقمى عبر محتوى دينى موثوق يخاطب مختلف الفئات بلغة معاصرة دون التفريط فى الثوابت الشرعية.. وإلى نص الحوار.


■ حدثنا عن فوضى الفتاوى المنتشرة على وسائل التواصل.. وكيف يتعامل المجمع معها؟

- نحن دائماً ننبه، سواء عبر منصاتنا الرسمية أو من خلال المحاضرات والندوات التى ننظمها داخل الجامعات عبر اللجنة العليا للدعوة، إلى خطورة تلقى الفتاوى من مصادر مجهولة على مواقع التواصل الاجتماعى، خاصة لدى الشباب، ونؤكد باستمرار أن روافد المعرفة الدينية لا بد أن تكون رسمية ومحصنة ومنضبطة بمنهج الأزهر الشريف، لأن الكثير من الأشياء التى تُطرح عبر وسائل التواصل الاجتماعى تكون مجهولة المصدر وغير قائمة على تأصيل علمى صحيح. فالفتوى لا بد أن تصدر عن شخص مؤهَّل علمياً وفكرياً، يمتلك منهجاً أزهرياً منضبطاً، وتكون آراؤه معتمدة وموثوقة داخل المؤسسة الدينية، وليس المقصود هنا مجرد تصريح ورقى، ولكن أن يكون صاحب الفتوى معروفاً بالعلم والانضباط والمنهج السليم. ومجمع البحوث الإسلامية يتعامل مع القضايا والفتاوى المهمة من خلال اللجنة الفقهية التى تضم كبار العلماء، لأن الفتوى مسألة شديدة الحساسية، وبعض القضايا قد تستغرق شهراً كاملاً أو أكثر من الدراسة والفحص قبل إصدار الرأى الشرعى فيها، كما ننبه الناس دائماً إلى وجود قنوات رسمية معتمدة للفتوى، سواء من خلال مجمع البحوث الإسلامية أو لجان الفتوى المنتشرة على مستوى الجمهورية، فلدينا لجان رئيسية داخل مناطق الوعظ، وأخرى فرعية فى مختلف المحافظات. ونحرص كذلك على إعداد المفتى بشكل علمى دقيق، من خلال برامج التدريب داخل أكاديمية الأزهر العالمية، سواء فيما يتعلق بالمستجدات الفقهية المعاصرة أو بمهارات الإفتاء نفسها، لأن الفتوى تختلف باختلاف الزمان والمكان والظروف، وهذا ما نركز عليه فى تدريب المفتين وتأهيلهم.

■ هل الواعظ له الحق فى الفتوى.. أم أن الأمر يقتصر على المتخصصين؟

- الأصل أن تُحال الفتاوى إلى لجان الفتوى الرئيسية أو الفرعية المنتشرة فى المحافظات والمعاهد الأزهرية، لأنها هى الجهات المتخصصة والمعتمدة فى هذا الشأن، لكن الواعظ باعتباره داعية قد يتعرَّض أثناء الندوات أو اللقاءات الجماهيرية لبعض الأسئلة المباشرة والبسيطة، ومن الطبيعى أن يجيب عنها فى حدود الأمور العامة والبسيطة، أما المسائل الدقيقة أو القضايا الكبرى فلا بد أن تُحال إلى الجهات المختصة بالفتوى.

■ كيف يتعامل مجمع البحوث الإسلامية مع قضية تجديد الخطاب الدينى وتحويلها إلى ممارسة حقيقية؟

- نعمل على تجديد الخطاب الدينى بصورة عملية ومستمرة، من خلال تطوير أساليب الطرح واختيار الوعاظ القادرين على التواصل مع مختلف الفئات، خاصة الشباب، بلغة بسيطة ومناسبة لطبيعة العصر، ولدينا توجُّه واضح للاستفادة من الوسائل الحديثة، مثل مقاطع الفيديو القصيرة «الريلز»، مع مراعاة أن يكون الخطاب مناسباً للمستوى الثقافى والفكرى لكل شريحة مجتمعية. وتجديد الخطاب الدينى لا يعنى أبداً تغيير النصوص الشرعية، وإنما يعنى حُسن فهم الواقع وإسقاط النص القرآنى والشرعى على القضايا المعاصرة لمعالجة مشكلات المجتمع بصورة صحيحة؛ لأن الاكتفاء بطرح النصوص دون ربطها بالواقع قد يؤدى إلى جمود الرأى وعدم قدرته على معالجة القضايا المستجدة، بينما نحن نحتاج إلى فقه واعٍ يستطيع فهم المتغيرات المعاصرة دون مخالفة النص الشرعى، وهذا ما نعمل عليه من خلال القوافل الدعوية والندوات داخل الجامعات وأنشطة مجلة الأزهر الشريف والجولات التوعوية المختلفة التى ينظمها المجمع.

■ كيف تنظرون إلى استخدام الذكاء الاصطناعى فى طرح الأسئلة الفقهية؟

- نواكب هذه التطورات من خلال توعية الناس بكيفية التعامل مع أدوات الذكاء الاصطناعى، ونؤكد دائماً أن الذكاء الاصطناعى لا يمكن الاعتماد عليه كمصدر أساسى للفتوى أو الرأى الشرعى، فالذكاء الاصطناعى يتعامل مع المعلومات بصورة آلية وغير واعية، ولا يمتلك القدرة على التحليل الفقهى العميق أو إسقاط الأحكام على الواقع كما يفعل المتخصص. وأقول دائماً إن الذكاء الاصطناعى «ليس عُمدة فى الرأى»، لأن الفتوى تحتاج إلى حوار مباشر مع عالم متخصص يمتلك القدرة على الفهم والتحليل والاستنباط وربط الأحكام بظروف الواقع المختلفة، قد يكون الذكاء الاصطناعى مفيداً فى عرض بعض المعلومات أو المساعدة فى الوصول إلى المعرفة، لكنه لا يجيد التعامل مع القضايا المعقدة أو المستجدات الدقيقة التى تحتاج إلى اجتهاد وفهم عميق لمقتضيات الواقع، ولذلك نؤكد أن الأمور الشرعية والفقهية لا بد أن تؤخذ من خلال التلقى المباشر والحوار مع المتخصصين المؤهلين علمياً.

■ ما دور الأزهر فى مواجهة التحديات الإقليمية وخطابات الحروب الدينية؟

- الأزهر الشريف يقوم بدور توعوى وتحصينى وعلاجى فى مواجهة هذه التحديات، من خلال نشر الوعى الصحيح والتحذير من خطابات الفتن والكراهية والحروب، ودائماً فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، يدعو إلى السلام العالمى ويحذر من التوسع فى دوائر الصراع وإراقة الدماء، لأن هذه الفتن تهدد استقرار المجتمعات وتدمر الإنسانية. ودور الأزهر هنا يتمثل فى تحصين الوعى، حتى لا ينساق الناس وراء الطروحات العشوائية أو المتطرفة، خاصة فى ظل الانتشار الكبير للمنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعى، كما يحرص الأزهر على توضيح المواقف الشرعية والفكرية تجاه القضايا المختلفة بصورة واضحة ومتوازنة، بما يسهم فى حماية المجتمع من الأفكار المتشددة أو الدعوات التى تستهدف نشر الفوضى والصراعات.

■ كيف تواجهون مشكلة تكدس الفتوى بعد قصرها على الجهات الرسمية؟

- تنظيم أمر الفتوى ليس تقييداً لحرية الرأى، بقدر ما هو حفاظ على استقرار المجتمع وصيانة للدين من الفوضى والاضطراب، لأن الفتوى ترتبط بأحكام الشرع ومصالح الناس وأحوالهم، وبالتالى فهى تحتاج إلى تأهيل علمى راسخ وإدراك دقيق للواقع. والأزهر الشريف حين يؤكد ضرورة صدور الفتوى عن الجهات المختصة، فإنه ينطلق من مسئوليته التاريخية والعلمية فى حماية الوعى الدينى الرشيد، خاصة أن التصدُّر للفتوى فى تاريخ الأمة لم يكن قائماً على الشهرة أو التأثير الجماهيرى، وإنما على العلم والأهلية والانضباط المنهجى. وفيما يتعلق بمسألة تكدُّس الفتوى، فالمؤسسات الدينية الرسمية تعمل باستمرار على تطوير آليات التواصل مع الجمهور، سواء من خلال لجان الفتوى المنتشرة، أو المنصات الإلكترونية، أو برامج التوعية والتفاعل المباشر مع الناس؛ بما يضمن وصول الفتوى الصحيحة الموثوقة بصورة سريعة فى مختلف القضايا المعاصرة. كما يولى مجمع البحوث الإسلامية اهتماماً كبيراً بتأهيل الكوادر الدعوية والعلمية، وتعزيز حضور الخطاب الدينى الرشيد فى المجتمع، لأن القضية فى جوهرها تتعلق ببناء وعى يحفظ للناس دينهم واستقرارهم، ويمنع استغلال الدين فى إثارة البلبلة أو تحقيق المصالح الشخصية.

■ كيف تتعاملون مع ظاهرة الفتاوى العشوائية المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعى؟

- لا شك أن وسائل التواصل أصبحت ساحة مفتوحة لتداول الآراء والمعلومات، لكن الخطورة الحقيقية تكمن فى تصدُّر غير المتخصصين للحديث فى أمور الفتوى والأحكام الشرعية دون تأهيل علمى أو منهجية منضبطة، ما يؤدى إلى نشر البلبلة بين الناس، خاصة فى القضايا المرتبطة بحياتهم اليومية واستقرارهم الأسرى والمجتمعى. أما الاستشهاد ببعض النماذج الكبرى فى التراث الإسلامى، مثل الإمام البخارى وغيره من الأئمة الأعلام، فهو استشهاد فى غير موضعه، لأن هؤلاء كانوا قمماً علمية شهد لهم عصرهم بالاجتهاد والتمكن والتخصص. ومن هذا المنطلق، يحرص مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف على تعزيز حضوره الفاعل فى الفضاء الرقمى، من خلال تقديم محتوى دينى موثوق يجمع بين سلامة التأصيل الشرعى وحُسن العرض، ويخاطب مختلف الفئات بلغة واعية تراعى طبيعة العصر وتحدياته. كما نعمل على تكثيف جهود التوعية بخطورة تلقى الفتوى من غير المتخصصين، مع التأكيد أن الفتوى مسئولية شرعية وليست مجالاً للسبق الإعلامى أو البحث عن الشهرة، لأن الكلمة غير المنضبطة قد تفتح أبواباً من الفتن الفكرية والاجتماعية يصعب تدارك آثارها. وفى الوقت نفسه، فإن مواجهة هذه الظاهرة لا تقوم فقط على الرد أو التصحيح، وإنما على بناء الثقة بين المؤسسات الدينية والجمهور، وتقديم خطاب علمى متزن يلامس واقع الناس ويجيب عن تساؤلاتهم بصورة واضحة ومسئولة.

■ كيف توازنون بين تطوير الخطاب الدينى والحفاظ على الثوابت دون أن يحدث أى لَبس عند المتلقى؟

- الأزهر الشريف ينطلق من منهج علمى واضح يفرق بين الثوابت الشرعية التى لا تقبل التغيير، وبين وسائل العرض والاجتهاد فى القضايا المتجددة التى تتغير بتغير الزمان والمكان والأحوال، فتجديد الخطاب الدينى لا يعنى أبداً المساس بأصول الدين أو أحكامه القطعية، وإنما يعنى تطوير أساليب الفهم والتواصل بما يحقق مقاصد الشريعة ويلبى احتياجات الواقع.

ومن هنا، فإن الحفاظ على الثوابت لا يتعارض مع مواكبة العصر، بل إن الفقه الإسلامى عبر تاريخه الطويل قام على الاجتهاد المنضبط القادر على التعامل مع المستجدات فى إطار المرجعية الشرعية الصحيحة، والأزهر بما يمتلكه من رصيد علمى وتاريخى يدرك جيداً أهمية هذه المعادلة الدقيقة. ويحرص مجمع البحوث الإسلامية على تدريب الوعاظ والدعاة وتأهيلهم للتعامل مع القضايا الفكرية والاجتماعية المعاصرة، بما يساعد على تقديم خطاب دينى متوازن يجمع بين الأصالة والمعاصرة، ويبتعد عن الجمود من جهة، وعن التسيب والانفلات الفكرى من جهة أخرى. كما أن وضوح المنهج وارتباط الخطاب بقضايا الناس الواقعية يسهمان فى تقليل أى التباس، ويعززان ثقة المجتمع فى المؤسسات الدينية باعتبارها المرجعية العلمية القادرة على الجمع بين الثبات والوعى بمتغيرات العصر.

نخاطب الشباب بلغة العصر دون المساس بالثوابت.. وتنظيم الفتوى يحمى المجتمع ويمنع استغلال الدين.. والتصدُّر للإفتاء لا يقوم على الشهرة أو الجماهيرية

■ لماذا لا تزال بعض الأفكار المتشددة تجد طريقها إلى الشباب؟

- الأفكار المتشددة تستغل أحياناً بعض التحديات الاجتماعية أو الثقافية أو النفسية التى قد يمر بها الشباب، كما تستفيد من التطور الكبير فى وسائل الاتصال الحديثة وقدرتها على الوصول السريع والتأثير المباشر. ولهذا فإن مواجهتها تحتاج إلى عمل فكرى وثقافى وتربوى متكامل، يقوم على بناء الوعى وتصحيح المفاهيم، والأزهر الشريف يقوم بدور مهم فى هذا الإطار من خلال برامجه العلمية والدعوية والتوعوية المختلفة. ويعمل مجمع البحوث الإسلامية عبر القوافل الدعوية والندوات واللقاءات المباشرة مع الشباب على مناقشة القضايا الفكرية المعاصرة وتصحيح المفاهيم المغلوطة، مع التأكيد على قيم الوسطية والاعتدال واحترام التنوع والتعايش. كما أن بناء وعى الشباب يحتاج إلى تكامل بين مختلف مؤسسات الدولة، لأن حماية العقول مسئولية مشتركة تبدأ من الأسرة والمدرسة، وتمتد إلى الإعلام والمؤسسات الثقافية والدينية، بما يضمن تكوين شخصية متوازنة وقادرة على التمييز بين الفكر الصحيح والدعوات المنحرفة.

■ هل هناك فجوة بين الخطاب الدينى الذى يُقدَّم والواقع الاجتماعى الذى يعيشه الناس؟

- الخطاب الدينى حين يكون منضبطاً بمنهج صحيح، فإنه بطبيعته يتفاعل مع واقع الناس ويعالج قضاياهم، لأن الشريعة الإسلامية جاءت لتحقيق مصالح العباد ومراعاة أحوالهم، لكن التحدى الحقيقى يكمن أحياناً فى ضرورة تطوير أدوات التواصل وأساليب العرض، بما يجعل الخطاب أكثر قرباً وتأثيراً فى المجتمع، ومن هنا يعمل مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف على تعزيز حضور الخطاب الميدانى وعدم الاكتفاء بالأطر التقليدية، من خلال القوافل الدعوية والبرامج المجتمعية والأنشطة التى تستهدف مختلف الفئات، خاصة الشباب والمرأة والأسرة. كما يركز المجمع على تناول القضايا المرتبطة بحياة الناس اليومية، مثل قضايا الأسرة والتربية والعلاقات الاجتماعية ومواجهة الشائعات وترسيخ القيم الأخلاقية، باعتبار أن الخطاب الدينى لا ينبغى أن يكون بعيداً عن هموم المجتمع وتحدياته الحقيقية، والأصل أن الدين يمثل عنصر بناء واستقرار للمجتمع، وكلما كان الخطاب أكثر وعياً بالواقع وأكثر التزاماً بالمنهج العلمى الرشيد، زادت قدرته على التأثير الإيجابى وتحقيق التواصل الحقيقى مع الناس.

نحتاج إلى فقه واعٍ يواكب المتغيرات المعاصرة.. والأزهر يواجه خطابات الكراهية بالحوار والوعى لحماية المجتمع من الأفكار المتشددة ودعاوى نشر الفوضى والصراعات

■ لماذا يكون الخطاب الدينى أحياناً بعيداً عن قضايا المواطن اليومية؟

- الخطاب الدينى بطبيعته معنىٌّ بقضايا الإنسان فى مختلف جوانب حياته، لكن طبيعة المتغيرات المتسارعة فى المجتمع تفرض دائماً الحاجة إلى مراجعة أدوات الخطاب وأساليب تقديمه حتى يظل قريباً من اهتمامات الناس وتحدياتهم الواقعية، ولهذا يحرص مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف على توجيه العمل الدعوى نحو القضايا التى تمس المواطن بشكل مباشر، سواء ما يتعلق بالأسرة أو التربية أو القيم أو مواجهة الظواهر السلبية والتحديات الفكرية والاجتماعية المختلفة. كما يؤكد الأزهر دائماً أن معالجة قضايا المجتمع لا تكون بالشعارات أو الطرح النظرى المجرد، وإنما من خلال خطاب متوازن يجمع بين التأصيل الشرعى الصحيح وفهم الواقع؛ بما يساعد على تقديم حلول عملية ورؤية واعية تدعم استقرار المجتمع. والتواصل المستمر مع الناس والاستماع إلى احتياجاتهم وتساؤلاتهم يمثل جزءاً أساسياً من تطوير الخطاب الدينى، حتى يظل معبراً عن واقع المجتمع وقادراً على أداء رسالته التوعوية والإصلاحية بصورة مؤثرة.

■ لماذا أصبح تأثير بعض «البلوجرز والدعاة غير المتخصصين» أقوى من المؤسسات الدينية؟

- وسائل التواصل الحديثة فرضت واقعاً إعلامياً جديداً يعتمد على السرعة والانتشار والتأثير المباشر، ما أتاح الفرصة لظهور شخصيات تمتلك قدرة على الوصول إلى الجمهور بصورة واسعة، بغض النظر عن مستوى التأهيل العلمى أو التخصص، لكن التأثير الإعلامى لا يعنى بالضرورة امتلاك المرجعية العلمية أو القدرة على تقديم خطاب دينى منضبط؛ لأن تناول القضايا الشرعية يحتاج إلى دراسة وتأهيل ومسئولية، وليس مجرد حضور رقمى أو جماهيرية واسعة. ومن هذا المنطلق، تعمل المؤسسات الدينية على تطوير أدواتها الإعلامية والرقمية، وتعزيز وجودها على المنصات المختلفة بما يحقق التواصل الفاعل مع الجمهور، خاصة فئة الشباب، مع الحفاظ على المنهج العلمى الرصين الذى يميز الخطاب الأزهرى. كما أن بناء الثقة مع الجمهور يحتاج إلى عمل تراكمى ومستمر يقوم على المصداقية والوعى والالتزام بالمسئولية، وهو ما تحرص عليه قطاعات الأزهر فى مختلف أنشطتها وبرامجها.

■ كيف يسهم مجمع البحوث الإسلامية فى مشروع بناء الإنسان؟

- المجمع ينظر إلى بناء الإنسان بوصفه قضية محورية فى عملية التنمية الشاملة، لأن بناء الوعى والفكر والقيم يمثل الأساس الحقيقى لأى نهضة مجتمعية مستقرة ومستدامة، ومن ثم يطلق المجمع العديد من المبادرات الدعوية والتوعوية التى تستهدف تعزيز القيم الأخلاقية، وترسيخ مفاهيم الانتماء والمسئولية واحترام الآخر، إلى جانب مواجهة السلوكيات السلبية التى تهدد تماسك المجتمع. كما يُولِى المجمع اهتماماً كبيراً بفئة الشباب والأسرة عبر البرامج الميدانية والقوافل والندوات وورش العمل، انطلاقاً من أن بناء الإنسان يبدأ من بناء الوعى السليم وتعزيز الاستقرار الفكرى والنفسى والاجتماعى، ويأتى ذلك كله فى إطار رؤية الأزهر الشريف التى تؤكد أن حماية الإنسان فكرياً وأخلاقياً تمثل ركيزة أساسية فى دعم استقرار المجتمع والحفاظ على هويته.

البرامج التوعوية

مواجهة التحديات الفكرية تتطلب تكاملاً بين مختلف مؤسسات الدولة، لأن هذه التحديات لم تعد تقتصر على جانب واحد، بل أصبحت مرتبطة بالأمن الفكرى والثقافى والاجتماعى والإعلامى فى آنٍ واحد، وفى هذا الإطار يوجد تنسيق مستمر بين الأزهر الشريف ومؤسسات الدولة المختلفة فى تنفيذ البرامج والمبادرات التى تستهدف تعزيز الوعى المجتمعى، ومواجهة الأفكار المنحرفة، وترسيخ قيم الانتماء والاعتدال والتعايش. ويشارك مجمع البحوث الإسلامية فى العديد من الجهود المشتركة مع المؤسسات التعليمية والثقافية والشبابية والإعلامية من خلال الندوات والقوافل والبرامج التوعوية التى تستهدف مختلف فئات المجتمع، خاصة الشباب.


1


مواضيع متعلقة