المرحوم المتهم بالقتل العمد
لافتة ضخمة، تحتل واجهة عمارة فخمة، مصممة بشكل يلفت الانتباه للمار -ولو صدفة- فى شارع يعتبر من أرقى شوارع منطقة مصر الجديدة، اللافتة تلخص حالة الهوس التى يعيشها المصريون منذ ما يقرب من 40 يوماً.. لافتة سوداء تحتل مساحة متر × متر، لا تحمل أى عبارات سوى اسم الطبيب ببنط وفنط -أى حجم وشكل الخط- قد يحلله علماء النفس لاحقاً بأنه دلالة على إصابة صاحبها بـ«البارانويا».. اللافتة فى حد ذاتها تحمل اتهاماً لصاحبها، إذا ما كانت إدارة العلاج الحر فى وزارة الصحة قد تحركت وأدت واجبها كما ينبغى، وتعقبت مثل هذا الطبيب، ممن يكتبون أسماءهم فحسب على لافتة العيادة، وكأنه «مجدى يعقوب زمانه» -علماً بأن الجراح العالمى مجدى يعقوب يذيل اسمه حتى الآن بوصفه العلمى مختصراً «جراح القلب»- الغريب أن بنداً مفصلاً فى لائحة وزارة الصحة ونقابة الأطباء يشرح ضوابط وضع لافتة تعريفية باسم الطبيب وتخصصه على عيادته، وكيف أن الطبيب المخالف يعاقب من الجهتين «الوزارة والنقابة»، إذا لم يلتزم هذه الضوابط، والحقيقة أن اللافتة الباقية إلى الآن تحمل اسماً وحسب «د. ضياء العوضى»، ورغم وفاة صاحبها، فإنها حملت كل أنواع المخالفات التى تستوجب سحب الترخيص وإغلاق المنشأة، عدا شرطاً واحداً التزمت به للأمانة وهو أن يُكتب الاسم باللغة العربية.
يقف القانون المصرى حائلاً بين كثيرين وبين القصاص من قاتل ذويهم، سارق أحلامهم، مدمر وعيهم، الرجل الذى حمل وزر إزهاق أرواح مئات مع سبق الإصرار والترصد، لا تصلح تهمة القتل الخطأ معه، يناسبه أكثر تهمة القتل العمد، لكنه الآن بين يدى الله، بما يسقط الشق الجنائى عنه فى أى اتهام، فكيف يقتص منه ضحاياه؟.. القانون يبيح لورثة الضحايا إقامة دعاوى الحق المدنى «سواء بالتعويض أو الدية» على ورثة القاتل، وهو البوابة القانونية الوحيدة الباقية أمام مئات، قد تكون هذه الدعاوى المدنية بداية النهاية لفتنة سرت فى المجتمع وأحدثت هوساً حمل زوراً اسم «الطيبات»، بينما الأولى به مسمى «الخبيثات»، لتبقى بوابة الدعاء عليه مفتوحة برحابة السماء والأرض.
وقد يكون العوضى أول طبيب أو مرحوم بشكل عام توجه له تهمة القتل العمد بعد وفاته، نسبة لما تعلق فى رقبته من ضحايا بسبب اتباعهم نظامه «الخبيثات»، إذ تتوالى الشهادات كارثية تحمل مصيبة وراء الأخرى، متى استشرى هذا العته بين المصريين؟ كيف طاوعه متعلمون ومثقفون وفنانون وشخصيات عامة وساروا على خزعبلاته وصدقوها وآمنوا بها وطبقوها؟، ماذا لو كان أمد الله فى عمره؟، إلى أين كان سيذهب بجموع المؤمنين بنظرياته؟، وإذا حدثت المواجهة وتحركت الجهات المعنية ضده لإغلاق العيادة التى يناظر فيها حالات ليست ضمن تخصصه -طبيب تخدير- إلى ماذا كانت ستسفر المواجهة، مع جموع ألغت العقل والمنطق وأعملت الجاهلية والعصبية فى الدفاع الأهوج والأعمى عن نظام راح أصحابه ضحايا له؟، جموع لا تحتمل وجهة نظر مكتوبة أو شهادة لأحد الضحايا يروى فيها مأساته مع «الخبيثات»، طالما خالفها فهو إذن فى مربع الأشرار.
ليس اتهاماً قدر ما هى قناعة، يعلمها كل من تفاعل مع الإخوان منذ أن كانوا فصيلاً سياسياً حتى صاروا تنظيماً إرهابياً، إذ ثمة تشابه كبير جداً حد التطابق بين الاثنين، المرحوم بأنصاره ومريديه وجماعته سواء عالجهم أو خدعهم، وتنظيم الإخوان الحالى المتطور والسابق المتهور بأنصاره ومريديه سواء أعضاء أو منتفعون.. كلاهما يتبع الأسلوب نفسه، السمع دون فهم والطاعة دون وعى والولاء دون حدود، شراسة الهجوم واللجان المنظمة التى تنهش كل من يقول قوله فى المرحوم وخبيثاته لا تخطئها عين، هذه طبولهم وبشائرهم، هذه لجانهم، هذا سلوكهم، وهؤلاء جنودهم، لكن.. لا يوجد دليل.
والإشارة هنا ليست بقصد الاستهداف الأمنى لمتبعى «الخبيثات»، فنحن فى دولة قانون، لكن بقصد التحوط مما هو قادم، فالوقت الذى استغرقه المرحوم لينتشر بـ«الخبيثات» فى المجتمع المصرى، وما صحب هذا الانتشار من سلوك اقتصادى يروج لسلع بعينها يتربح أصحابها على حساب صحة المصريين وعافيتهم ووعيهم، كلها أمور تنذر بالخطر، برعونة أو تهالك أو سيولة فى هذا المجتمع تسمح لأى مار بالبطاطا أن يقف على رأس شواية العربة مرتدياً بالطو أبيض منادياً على سلعته بأنها تعالج الأكمه والأبرص وتشفى من السرطان.. صحيح أن المثال للسخرية والمبالغة، لكنه ليس بعيداً على مجتمع صدق «الخبيثات»، واعتمد المرحوم نبياً منزلاً.