سير بعض المتصوفات (4)
كانت المتصوفة «فخرية بنت علي» تقول: «حال ضعيف وخطر عظيم ودعوى عريضة وصدق قليل.»، وقالت أيضًا: «إن الإنسان إذا تكلم بالعلم يريح قلبه ونفسه ويعظم في نفسه لاستحسانه كلامه، وإذا استعمل العلم أتعب نفسه وقلبه ويصغر في نفسه لعلمه بقلة إخلاصه في معاملته.»، ومن قولها كذلك: «من جعل السبب إلى الوصول إلى ربه غير ملازمة طاعته واتباع رسوله فقد أخطأ السبيل إليه.» والرابعة هي «عونة النيسابورية» وهي زاهدة كثيرة المجاهدات، كان يقال إنها مجابة الدعوة. وعنها ينقل أبو أحمد الحسنوي: «أنا أتوب من صلاتي وصيامي كما يتوب الزاني من زناه والسارق من سرقته.»
والخامسة هي «عائشة بنت أبي عثمان النيسابوري» وكانت زاهدة، من أهل الوقت والحال، ومجابة الدعوة. وقد قالت ذات يوم لابنتها عائشة: «يا بنتي لا تفرحي بفانٍ، ولا تجزعي من ذاهب، وافرحي بالله واجزعي من سقوطك عن عفو الله.» وقالت لها أيضًا: «الزمي الأدب ظاهرًا وباطنًا، فما أساء أحد الأدب ظاهرًا إلا عوقب ظاهرًا، وما أساء أحد الأدب باطنًا إلا عوقب باطنًا.» ونقلت عنها عائشة قولها: «من استوحش بوحدته فذلك لقلة أنسه بربه.» وقالت: «من تهاون بالعبيد فهو لقلة معرفته بالسيد، فمن أحب الصانع عظم صنعه.»
وتوجد «فاطمة الملقبة بزيتونة» وكانت صالحة خدمت ثلاثة من الصالحين هم أبو حمزة والجنيد والنوري، وتحكي هي عن الأخير قائلة: أتيت أبا الحسن النوري في يوم شديد القر فقلت له: أجيئك بشيء تأكله؟ قال: نعم. قلت: ما تريد؟ قال: خبز ولبن. وكان بين يديه نار يقلبها بيده. فأكل من ذلك الخبز واللبن ويده سوداء من الرماد، فجعل اللبن يسيل على يده ويغسل ذلك السواد عنها، فنظرت إليه وقلت: «يا رب ما أقذر أولياءك، ما فيهم أحد نظيف.» ثم خرجت من عنده فجزت على صاحب الربع، فإذا بامرأة تعلقت بي وقالت: الرزمة التي كانت هاهنا أخذتها. فحملني صاحب الربع إلى الأمير. وبلغ ذلك النوري فأسرع في طلبي. فلما صرنا بين يدي السلطان قال النوري: «لا تتعرض لها فإنها ولية الله.» وقال: ما حيلتي ومعها من يطالبها. فإذا بجارية سوداء معها الرزمة قالت: قد وجدنا الرزمة. فأخذ النوري بيدي وأخرجني من عند السلطان وقال: «لم تقولين ما أوحش أولياءك وأقذرهم؟» فقلت: «تبت إلى الله تعالى من قولي هذا.»
أما «أم علي امرأة أحمد بن خضروية البلخي» فقد كانت ثرية، فأنفقت مالها كله على الفقراء وساعدت أحمد على ما هو عليه. وقال عنها أبو حفص: ما زلت أكره حديث النسوان حتى لقيت أم علي زوجة أحمد بن خضروية فعلمت أن الله تعالى يجعل معرفته حيث يشاء. وقال أبو يزيد البسطامي: من تصوف فليتصوف بهمة كهمة أم علي زوجة أحمد بن خضروية أو حال كحالها. ونقل عنها قولها: «دعا الله تعالى الخلق إليه بأنواع البر واللطف فما أجابوه، فصب عليهم أنواع البلاء ليردهم بالبلاء إليه لأنه أحبهم.»، وقالت أيضًا: «ما ذكرت فقري قط إلا ذكرت استغنائي بربي وغناه، فيزيل عني مواقف الفقر، وأقول: يكون فقيرًا من له سيد مثله.»، وكانت تقول: «فوت الحاجة أيسر من الذل فيها.»
وهناك «فاطمة بنت أحمد الحجافية» التي نقل عنها قولها: «ما قال أحد لأحد: يا أحمق، إلا قلت: لبيك، ظننت أنه يعنيني به. فلا أحد أظهر حمقًا ممن يوالي عدوه، ويعادي وليه. النفس والشيطان عدوان ونحن نواليهما ونطيعهما، والكتاب والسنة مواضع نجاتنا وخلاصنا وقد أعرضنا عنهما.» وقيل إنها قد قالت ذات يوم لأبي العباس الدينوري وهو يتكلم في شيء من الأنس: «ما أحسن وصفك عما أنت غائب عنه.»