مصر والصين من الاعتراف المبكر إلى الشراكة الشاملة

رفعت رشاد

رفعت رشاد

كاتب صحفي

على مدى 70 عاما هي عمر العلاقات المصرية الصينية ، كانت هذه العلاقات نموذجية ، حرصت عليها الدولتان ورعتاها وزادتاها نموا وقوة . كانت مصر حريصة بعد ثورتها المجيدة عام 1952 على الاعتراف بالصين الشعبية ممثلة للشعب الصيني في وقت كان فيه الاستعمار الغربي وعلى رأسه أمريكا يزعم أن فرموزا - تايوان - تمثل الشعب الصيني . كان منطقا مقلوبا ومغلوطا ، أن يتمسك الغرب المتجبر بأن فرموزا التي هي عبارة عن جزيرة صغيرة وعدد سكانها عدة ملايين ، بينما ينحاز ضد دولة مساحتها 10 ملايين كليو متر مربع ويسكنها أكثر من مليار إنسان ، ينحاز كيدا لأن الصين الشعبية دولة اشتراكية وهو ما لا يطيقه الغرب . بل تجاوز الجبروت المنطق عندما جعلوا فرموزا عضوا دائما بمجلس الأمن الدولي باعتبارها ممثلة للشعب الصيني متساوية في ذلك مع أمريكا والاتحاد السوفييتي إنجلترا وفرنسا .

كانت ثورة يوليو وقائدها الزعيم جمال عبد الناصر تدرك حركة التاريخ وقواعد الاستراتيجية الدولية ، فكان قرارها بالاعتراف بالصين الشعبية ، وتعمقت العلاقة في خطوات متسارعة بعدما تعمقت العلاقة بين جمال عبد الناصر والزعيم الصيني شواين لاي رئيس الوزراء . كانت علاقتهما نموذجية بتقدير كل منهما للآخر وتقدير كل منهما لمكانة دولتيهما ذات الحضارة والتاريخ الطويل الذي ساهمت كل من مصر والصين في كتابة أكبر عدد من صفحاته.

كانت الساحة السياسية الدولية مجالا للتنسيق بين البلدين ، تآزرا في تكريس مبدأ الثورة والتحرر للشعوب المقهورة , وكانت الدولتان داعمتان لكل شعب سعى لنيل حريته وطرد الاستعمار . استمرت العلاقة بين مصر والصين في مستواها الراقي في ظل تغير القيادات في البلدين ومرور العقود من السنين . في تاريخ العلاقات الدولية لحظات تتجاوز الحسابات الدبلوماسية الباردة لتصنع مسارات جديدة في السياسة العالمية . من بين تلك اللحظات البارزة قرار مصر الاعتراف بجمهورية الصين الشعبية ، قرار لم يكن مجرد إجراء بروتوكولي بين دولتين ، كان تعبيرا عن رؤية سياسية استشرفت تحولات النظام الدولي قبل أن تتبلور بصورة كاملة . منذ ذلك الاعتراف المبكر ، تشكلت علاقة خاصة بين القاهرة وبكين ، امتزجت فيها المصالح الإستراتيجية بروح التضامن السياسي ، لعبت فيها العلاقات الشخصية بين الزعيم المصري جمال عبد الناصر ورئيس الوزراء الصيني شواين لاي دورا مهما في ترسيخ الثقة وفتح آفاق التعاون .

عندما أعلنت جمهورية الصين الشعبية قيامها عام 1949، وجدت نفسها في مواجهة عزلة دولية فرضتها ظروف الحرب الباردة . كانت القوى الغربية الكبرى لا تزال تعترف بالحكومة الصينية السابقة في تايوان ، بينما كانت بكين تسعى إلى تثبيت شرعيتها الدولية وإثبات حضورها على المسرح العالمي . في ذلك السياق جاءت مصر لتكون أول دولة عربية وأفريقية تعترف رسميا بالصين الشعبية عام 1956 ، في خطوة حملت دلالات سياسية عميقة . لم يكن القرار المصري منفصلا عن التحولات التي شهدتها البلاد بعد ثورة يوليو 1952 ، إذ كانت القاهرة تبحث عن سياسة خارجية مستقلة ترفض الاصطفاف الكامل خلف أي من المعسكرين المتنافسين .

كان جمال عبد الناصر يرى أن استقلال القرار الوطني لا يكتمل إلا بتحرير السياسة الخارجية من الضغوط الدولية ، بينما كانت الصين بقيادة ماو تسي تونج تسعى إلى بناء شبكة من العلاقات مع الدول الآسيوية والأفريقية الناهضة . من هنا بدأت المصالح المشتركة تتكامل . كلا البلدين يحمل إرثا من مقاومة الهيمنة الأجنبية ، وكلاهما كان يبحث عن مكانة تليق بحضارته وتاريخه وقدراته .

تحتاج العلاقات بين الدول جسورا إنسانية وشخصية تسرع التقارب وتمنحه عمقا سياسيا . وهنا برزت العلاقة بين جمال عبد الناصر وشواين لاي ، أحد أبرز رجال الدولة في الصين الحديثة . كان شواين لاي يتمتع بقدرة استثنائية على بناء الثقة مع القادة الأجانب ، وجد في عبد الناصر زعيما يعبر عن تطلعات العالم النامي إلى الاستقلال والتنمية . كما رأى عبد الناصر في شواين لاي شخصية سياسية تتمتع بالحكمة والبراجماتية والانفتاح .

شهدت لقاءاتهما المتعددة خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي حوارا سياسيا عميقا حول قضايا التحرر الوطني ومواجهة الاستعمار وبناء نظام دولي أكثر توازنا . أسهم التفاهم الشخصي في تحويل العلاقة بين القاهرة وبكين من مجرد علاقة دبلوماسية إلى شراكة سياسية قائمة على الاحترام المتبادل . لم يكن من قبيل المصادفة أن تقف الصين إلى جانب مصر في العديد من المحطات الصعبة ، وعلى رأسها العدوان الثلاثي عام 1956، حين عبرت بكين بوضوح عن دعمها للسيادة المصرية .

في إطار حركة عدم الانحياز التي تشكلت في تلك الحقبة ، وجدت مصر والصين أرضية فكرية وسياسية مشتركة . صحيح أن الصين لم تكن عضوا رسميا في الحركة ، لكنها دعمت العديد من مبادئها الأساسية ، خاصة حق الشعوب في تقرير مصيرها ورفض الهيمنة الأجنبية . ساعد هذا التقارب في تعزيز التعاون السياسي بين البلدين خلال العقود اللاحقة ، حتى في الفترات التي شهدت تغيرات إقليمية ودولية كبيرة. مع نهاية الحرب الباردة ودخول العالم مرحلة جديدة من العولمة ، بدأت العلاقات المصرية الصينية تشهد أبعادا اقتصادية متزايدة . فالصين التي كانت في السابق دولة نامية تسعى إلى كسر العزلة ، تحولت إلى قوة اقتصادية كبرى . وكانت مصر تبحث عن شركاء قادرين على دعم خطط التنمية وتطوير البنية التحتية وتعزيز التصنيع , لذلك شهدت العقود الأخيرة شهدت العلاقات نموا متسارعا في مجالات التجارة والاستثمار والطاقة والتكنولوجيا . وأصبحت الصين واحدة من أهم الشركاء التجاريين لمصر ، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشروعات كبرى داخل البلاد ، خاصة في منطقة قناة السويس والعاصمة الإدارية الجديدة ومشروعات النقل والطاقة . لم يعد التعاون مقتصرا على الاقتصاد فحسب ، بل امتد إلى مجالات الثقافة والتعليم والتبادل الأكاديمي والتعاون التكنولوجي .

اليوم تقف العلاقات المصرية الصينية عند مستوى غير مسبوق من الشراكة الإستراتيجية الشاملة . فالعالم يشهد تحولات متسارعة نحو التعددية القطبية ، وتسعى القاهرة إلى تنويع شراكاتها الدولية بما يخدم مصالحها الوطنية ، بينما ترى بكين في مصر شريكا محوريا في الشرق الأوسط وأفريقيا ، وبوابة مهمة لمبادرة الحزام والطريق . في هذا السياق، أصبحت العلاقة بين البلدين أكثر عمقا ، إذ تجمع بين المصالح الاقتصادية الواسعة والتنسيق السياسي في القضايا الإقليمية والدولية .

عندما ننظر إلى مسار سبعة عقود من العلاقات المصرية الصينية ، يتضح أن ما بدأ بقرار سياسي جريء في خمسينيات القرن الماضي اتخذته ثورة يوليو , تحول إلى نموذج لعلاقة استطاعت أن تتكيف مع تغير الأزمنة دون أن تفقد جوهرها . لقد رحل جمال عبد الناصر وشواين لاي منذ زمن طويل ، لكن الإرث السياسي الذي أسسه الرجلان لا يزال حاضرا في بنية العلاقة بين البلدين . فالثقة التي نشأت في زمن التحرر الوطني تحولت اليوم إلى شراكة تقوم على التنمية والمصالح المتبادلة والرؤية المشتركة لعالم أكثر توازنا .

العلاقات المصرية الصينية قصة ممتدة من التاريخ إلى المستقبل ، بدأت باعتراف مبكر واستمرت لتصبح شراكة تعد من أهم العلاقات الدولية في القرن الحادي والعشرين .