عاش «فرج فودة»

سحر الجعارة

سحر الجعارة

كاتب صحفي

ما كان يحذر منه الدكتور «فرج فودة» أصبح في لحظة مخطوفة من تاريخ مصر واقعاً، فالمفكر الذى دفع حياته ثمناً لدعوته لفصل الدين عن الدولة لم يعش ليرى «مكتب الإرشاد» يحكم مصر من المقطم، ولم يرَ من يدعو من فوق المنبر إلى تسليم «القضاء» إلى المعزول «محمد مرسى» أسوة بالنبى (صلى الله عليه وسلم) كما ادعى.. ولم يسمع ما سمعناه من فتاوى مخجلة ومشينة استحلت لحم الأطفال النيئ بـ«الوطء الحلال» أو الاغتصاب حتى الموت.. ولا رأى وجوهاً كالحة تُفتينا بمضاجعة الزوجة المتوفاة أو البهيمة.. لم يعش «فودة» ليرى «الحياة» تفر من بين أيادينا، و«الفكر» يهرب من رؤوسنا، ولم يشهد قانوناً يزج بالمفكرين خلف قضبان السجون!.

استُشهد «فودة» برصاصة عمياء جاهلة، فلم يعانِ موتنا البطىء ونحن نسير مثل «دمى خشبية» موصولة بكيان مكهرب، يكفر من يشاء ويمنح صكوك الغفران لمن يشاء.. لنجد فجأة أن «الدين والدولة» ملكية خاصة لمن يمتلك فتاوى «الزندقة والهرطقة» ويحكم بها مصر من الباطن! لو كان «فرج فودة» بيننا الآن، لدخل معنا فيما سماه في كتابه «الدائرة المفزعة»، واكتشف أن أغلبية الشعب تحولت إلى دراويش ومجاذيب، يسيرون عمياناً خلف من يستغل جهلهم بالإسلام ويتلاعب بمشاعرهم الدينية ليحول عقولهم الصدئة إلى «ثروة» يجمعها من اليوتيوب وبيزنس «الحج الفاخر»، وأن البعض اختصر المسافة بين الدنيا والآخرة بحزام ناسف سعياً خلف «وعد» من «أمير الجماعة» بـ«حور العين».

لو عاش «فودة» أنفاساً أطول من مفعول الرصاصة التي اغتالته لمات مثلنا -كل يوم- ونحن نرى من يؤسسون لـ«دين جديد» على مقاس مصالحهم وشهواتهم ومناصبهم.. من حوّلوا الإسلام إلى «كهنوت»، وفرضوا أسلحتهم الجديدة ليركع الجميع في محرابهم «سمعاً وطاعة»! الآن -يا صديقى- أصبحت قاعدة: «لا تجادل ولا تناقش» هى الدستور والقانون، وأصبح «الإسلام» يناقش في الغرف المصفحة، بعيداً عن العامة، ولم يعد من حق أحد أن يستفتى قلبه، ولا أن يرجح رأى فقيه على آخر.. أصبح للإسلام وجه واحد وعمامة واحدة وهيئات «فاشية».. لها ميليشيات من كتائب «الحسبة» وجماعات «الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر».. تحتقر المرأة وتخاصم المنطق والعقل.. لأنهم وكلاء الله على الأرض!.

الفكرة أخطر من الرصاصة و«الفتوى» قنبلة موقوتة على لحظة يتجلى فيها «مفتى الدم» ويبث هوس القتل في أتباعه/ جنوده ويأمرهم بالاغتيال.

وفي قائمة اغتيالات المفكرين ستجد اسماً مجهولاً أو مشهوراً أمر بالتصفية الجسدية من أمراء ومُنظِّرى الإخوان والجهاد والجماعة الإسلامية والقاعدة والدواعش.

من أفتى بقتل المفكر فرج فودة هو الشيخ محمد الغزالى، خريج الأزهر، ابن تنظيم الإخوان الإرهابى (كان الغزالى عضواً في الهيئة التأسيسية لجماعة الإخوان، وعضواً في مكتب إرشاد الجماعة خلال عهد المرشد الثانى حسن الهضيبى، قبل أن ينشق عليه)، ومَن أفتى بقتل النائب العام هشام بركات هو الشيخ محمد عبدالمقصود و68 من دعاة الإخوان في مصر وخارجها. وهكذا سوف تصل لمن أفتى بقتل السادات، لكنك في كل مرة تدين مَن ضغط الزناد ولا تلوم مَن وفّر الإطار التنظيمى للقاتل!.

صاغ فرج فودة ملامح مشروعه الفكرى في محاولة لوقف المد الأصولى وتفكيك الخطاب الأيديولوجى للجماعات الدينية والحد من تأثيراته في الشارع المصرى، مرتكزاً على أربعة أعمدة أساسية هى: نقد الإسلام السياسى المعاصر، ونقد الإسلام السياسى التاريخى، وحتمية الاجتهاد وإعمال العقل، والدفاع عن أسس الدولة المدنية الحديثة. وكانت المناظرة الشهيرة التي عُقدت في معرض الكتاب الدولى بالقاهرة في يناير 1992، تحت عنوان «مصر بين الدولة الإسلامية والدولة المدنية» السبب الرئيسى في اغتيال فرج فودة، وهى المناظرة التي استمرت 3 ساعات متواصلة، وحضرها أكثر من 30 ألف شخص من أتباع تيارات الإسلام السياسى.

وكانت هتافات الحضور تتعالى بالنشيد الرسمى لـ«الإخوان»: «الله غايتنا، والرسول قدوتنا، والقرآن دستورنا، والجهاد سبيلنا، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا» لإرهاب «فرج»، لكنه لم يتردد ولم يجبن أمام إرهابهم المعنوى.

نفس المناخ لا يزال قائماً ولكن بتنويعات مختلفة: لجان إلكترونية تتولى عملية اغتيال الشخصية على السوشيال ميديا (د. خالد منتصر وإبراهيم عيسى من ضحاياها).. ومحامٍ ينتمى «تنظيمياً» إلى الإخوان «بالأدلة» ولا يخجل من ذلك يتولى قضايا الحسبة، وناس «ضد الناس والبلد وقوانينها» يجمعون التبرعات، وشلة من المغيبين يقومون بعمليات التحرش بالبنات وإرهابهن بالابتزاز الإلكترونى!.

وبينما يطالب رأس الدولة الرئيس «عبدالفتاح السيسى» مرة بتجديد الخطاب الدينى من المؤسسة الدينية الرسمية، ثم من المبدعين والمثقفين، ثم يطرح رؤيته مراراً وتكراراً بإعادة فهم المعتقد وعدم فرض معتقدك على الآخر.. يسود صمت الأموات لا أحد يتحرك لتنفيذ رؤية السيد الرئيس أو حتى للسعى في ذلك، اللهم إلا بعض المثقفين والمفكرين الذين يقتصر وجودهم على «السوشيال ميديا»!. وفي غياب شبه تام للندوات الثقافية والملتقيات الفكرية أصبح التنوير نظرياً أكثر منه عملياً.. وأحياناً يشبه «الانتحار على سبيل الاعتراض».. فأنت تقدم «فكرة فلسفية» قد تنتهى بك إلى التكفير والقتل (د. فرج فودة نموذجاً).. أو تتحدث عن العلم والتجريب في مواجهة تراث دينى وفكرى يستند إلى مصادر شبه مقدسة، ولم يخضع هذا التراث للمراجعة أو التنقية عبر تاريخه الطويل.. في مقدمتها صحيح البخارى، وصحيح مسلم، وكتب ابن تيمية وغيرها.

وحماة هذا التراث ليسوا مؤسسات دينية وأهلية فحسب، بل يضاف إليهم ملايين السلفيين والتكفيريين الذين جعلوا من بعض هذه المصادر مرجعيتهم النظرية في التنظيمات الإرهابية.

عاش «فرج فودة» حتى الآن كى لا نصدق أننا نحارب طواحين الهواء.. ونظل سائرين على درب حماية «الدولة المدنية» حتى لو تحول صوتنا إلى «أنين» في ظلام السجون.. أو أصابتنا فتوى في هيئة رصاصة.