يسرا زهران تكتب: «جيل بايدن».. تشريح قلب السيدة الأمريكية الأولى بعد الرحيل

كتب: محرر

يسرا زهران تكتب: «جيل بايدن».. تشريح قلب السيدة الأمريكية الأولى بعد الرحيل

يسرا زهران تكتب: «جيل بايدن».. تشريح قلب السيدة الأمريكية الأولى بعد الرحيل

تنتمي «جيل بايدن»، قرينة الرئيس الأمريكي السابق «جو بايدن» إلى ما يطلق عليه الجيل الذهبى للطبقة الوسطى الأمريكية. تلك الطبقة التي تكونت وتشكلت في الخمسينات من القرن الماضي، في جو من التقدير للقيم العائلية التقليدية من ترابط أسرى، وخدمة المجتمع، وغيرها. هى سيدة ذات مظهر هادئ يُخفي وراءه صلابة من طراز خاص. ليست صلابة «هيلارى كلينتون» التي كانت تمتلك طموحاً سياسياً موازياً لطموح زوجها «بيل كلينتون» أوصلها فيما بعد لشغل منصب وزيرة الخارجية والترشح بعدها لمنصب الرئاسة الأمريكية. ليست أيضاً صلابة «ميشيل أوباما» التي كانت تعكس، مثل زوجها «باراك أوباما»، قيم الحداثة والتقدمية في المجتمع الأمريكي. كما أن «جيل»، على الرغم من قيمها الأسرية التقليدية، ليست مثل «باربرا بوش»، السيدة الحديدية الأولى ذات الشخصية الكاسحة، التي كانت زوجة للرئيس «جورج بوش الأب» وأماً من بعدها لابنه الرئيس «جورج بوش الابن».

صلابة «جيل بايدن» الهادئة هى صلابة الزوجة والأم التي تحملت آلاماً وصلت في أحيان كثيرة إلى حد المأساة. هى الفتاة التي كانت الحياة عندها في شبابها كومة من الكتب تحضرها من مكتبة الحي في زيارة أسبوعية، أو تنقلات لا تنتهي بدراجتها من وإلى أي مكان، وسط مجتمع أمومي، تشعر فيه أن جارات والدتها في الحي هن أقرب إلى الخالات، وأن شقيقاتها الأربع هن كاتمات أسرارها. سيدة وجدت نفسها في تدريس اللغة الإنجليزية وآدابها لطلبة كلية مجتمعية، تضم أطيافاً وأعماراً مختلفة من المجتمع الأمريكي، دون أن تقتصر على أبناء النخبة، وظلت تحافظ على وظيفتها المجتمعية حتى بعد أن أصبح زوجها نائباً للرئيس «باراك أوباما» ومن بعدها رئيساً للولايات المتحدة.

«جيل بايدن» كانت دائماً سيدة لا تبحث عن لفت الأنظار رغم أنها في أكثر مكان تُسلَّط عليه الأضواء داخل البيت الأبيض، إلا أنها وجدت نفسها مع زوجها في قلب فترة عاصفة من تاريخ الولايات المتحدة، بدأت فيها رئاسة زوجها إثر أعمال شغب واقتحام لمبنى «الكابيتول»، مقر التشريع الأمريكي، بسبب نتائج الانتخابات، وشهدت خلالها وباءً عالمياً قلب الموازين، وانسحاباً عسكرياً فوضوياً من أفغانستان، وانتهت باتهامات «تنهش» زوجها وتتهمه بإخفاء مرضه، والتمسك بالسلطة وقتاً أكثر من اللازم رغم عدم أهليته لها، وإضعاف منصب وصورة الرئيس الأمريكي وسط عالم تتزايد فيه لغة القوة وفرض الأمر الواقع يوماً بعد يوم.

بايدن وزوجته

صدرت مذكرات «جيل بايدن»، التي حملت عنوان «إطلالة من الجناح الشرقي» في الأسبوع الماضى حاملةً مشاعر صاحبتها في نبرة لا تختلف كثيراً عن صورتها الهادئة المعتادة. لم تكن مهتمة في مذكراتها كثيراً بالرد على اتهامات وجَّهها الحزب الديمقراطى والحزب الجمهورى على حد سواء إلى زوجها، ولا بالكشف عن أسرار وكواليس البيت الأبيض التي تجتذب إليها قطاعاً واسعاً من الجمهور. كانت «جيل» في مذكراتها تكشف قلبها أمام من يريد أن يعرفها. تكتب عما يهمها في الحياة حقاً: حياة أبنائها وحبها لزوجها. كانت تكتب بعين المحبة عن ذلك الرجل الذى يعرفه العالم كرئيس لفترة واحدة للولايات المتحدة، يتهمه خصومه والساخرون منه بالخرف والتلعثم في الكلام والتعثر في الخطوات، بينما تذكره هى رجلاً متعاطفاً محبوباً من الناس، سياسياً مخضرماً ذا عقل راجح في سنوات صحته، وشجاعاً في تحمُّله لمحنة مرضه ووفاة زوجته الأولى وابنته في حادث سيارة، وابنه بسبب سرطان في المخ.

تلك الإنسانية الصريحة التي كتبت بها «جيل بايدن» مذكراتها كانت أقرب إلى عملية تشريح لقلب السيدة الأمريكية الأولى السابقة بعد رحيلها وزوجها عن البيت الأبيض. كأنها تشارك أكثر أسرارها خصوصية مع الغرباء، هى التي لا تعرف لغة التصريحات النارية ولا ألعاب إثارة الجدل التي أصبحت تسود المشهد السياسى الأمريكي اليوم. كان هذا بالضبط هو المدخل الذى اختارت «جيل» أن تفتتح به مذكراتها قائلةً: «بعد أن تفقد ابناً، لا شىء يمكنه أن يؤلمك. كان ذلك هو الرد التلقائى الذى قلته عام 2019 خلال حفل لجمع التبرعات للحملة الانتخابية (لترشح زوجها «جو بايدن» لمنصب الرئاسة الأمريكية) عندما سألونى عن الكيفية التي سوف تتعامل بها أسرتنا مع الاتهامات التي كنا نتعرَّض لها. كنا نعلم، أنا و«جو»، أن الحملة لن تكون سهلة. كنا قد شهدنا أساليب وتكتيكات خصمه من قبل (تقصد الرئيس الأمريكي الحالى «دونالد ترامب»). صحيح أن أسرتنا في ذلك الوقت كانت لا تزال محطمة، لكنها كانت صامدة. كان هذا هو أصدق رد يمكن لى أن أقوله، وكان أيضاً رداً شخصياً وحميماً على نحو غير مألوف».

وتواصل: «عام 2015 فقدنا ابننا «بو» الذى كان عمره 46 عاماً بعد إصابته بسرطان في المخ. في ذلك الوقت، كنا نعيش أنا و«جو» في مقر إقامة نائب الرئيس في «واشنطن» («جو بايدن» كان وقتها نائباً للرئيس الأمريكي الأسبق «باراك أوباما»)، وعلى مدى عامين، ظللنا ننتقل من مستشفي إلى مستشفي ومن طبيب إلى آخر من أجل علاجه. لا الأدوية ولا الأنظمة الغذائية ولا التجارب كانت حلاً لعلاج «بو». كنا نسرق أنا و«جو» ساعات ثمينة من وقت مهام عملنا كنائب رئيس وزوجته حتى نكون إلى جوار ابننا. القلائل فقط كانوا يعرفون أن «بو» يحتضر، كان هذا لصالحه ولصالح زوجته وطفليه الصغيرين. لم نكن نتحمل فكرة أن يدور نقاش عام حول مرضه».

وتتابع: «في تلك الأشهر، كنت أشعر بنفسى كمن يسير على الماء، أحاول التنفس والاستمرار، غير قادرة على تصديق أنه من الممكن فعلاً أن يموت. كانت أسرتى كلها خارج السيطرة، يطوِّحها الحزن في كل اتجاه، بينما أنا و«جو» نحاول المضى قُدماً. فيما بعد، وخلال السنوات التي قضيناها في البيت الأبيض، شعرت بالصلابة في مواجهة كل ما يحدث. وعندما كانت الأمور تسوء حقاً، كنت أعرف أننى قد مررت فعلاً بما هو أسوأ بكثير».

بدأت «جيل» بعدها في الحديث عن واحدة من أكثر المحطات التباساً وغموضاً في حياة زوجها، هى تشخيص إصابته بمرض سرطان البروستاتا في مرحلة متقدمة حتى وصل السرطان إلى عظامه دون أن يكتشفه أحد، الأمر الذى شكَّل صدمة واستغراباً لدى الجميع على أكثر من مستوى. تروى «جيل»: «كانت النعمة الحقيقية التي شعرنا بها في ذلك الوقت هى أننا ما زلنا نمتلك صحتنا. في كل يوم، في صلواتى الصباحية، كنت أشعر بالامتنان لصحتنا، وأطلب القوة من أجل دعم أسرتى لمواجهة التحديات التي يمكن أن تواجهنا. كنت أنا و«جو» نجد طريقة لكى نتعامل مع الأوقات الصعبة التي تمر بنا عندما يقول كل منا للآخر: ما زالت لدينا صحتنا. أبناؤنا وأحفادنا أصحاء وبخير».

وتواصل: «لذلك كانت مفاجأة بالنسبة لى عندما اكتشفنا، بعد أربعة أشهر من مغادرة البيت الأبيض، أن «جو» مصاب بسرطان البروستاتا وصلت درجة شراسته إلى أن استشرى في عظامه. كان هذا يعنى أن العلاج الهرمونى سوف يصبح جزءاً دائماً من حياته، وأنه ستكون هناك حاجة مستمرة للأدوية اليومية لمنع انتشار السرطان. ما الذى يمكن أن تكون عليه الآثار الجانبية لذلك؟ ما الذى يكون عليه نتيجة امتزاج تلك الأدوية مع التقدم في السن؟ كان من المستحيل أن نعرف».

في تلك اللحظات المؤلمة، عادت «جيل بايدن» بذاكرتها إلى الوراء، إلى سنواتها الأولى مع زوجها، وإلى سنوات زوجها في البيت الأبيض، تقول: «في بدايات صيف 2025، كنت أجلس مع «جو» في مكانى المفضل، على شاطئ البحر نراقب الأمواج. كنا «ندردش» كما اعتدنا لأكثر من خمسين عاماً، حول حال الأبناء وما سوف نتناوله على العشاء. كان قد مضى على خروجنا من البيت الأبيض عدة أشهر، وكنا قد بدأنا نشعر أخيراً أننا نبتعد عن الصخب المستمر للرئاسة. نظرت إلى «جو» وشعرت أننى ما زلت أرى فيه ذلك الرجل الوسيم الذى التقيت به أول مرة عام 1975. في ذلك الوقت، كان «جو» قد مر بالفعل بتجربة شديدة الإيلام، بعدما فقد زوجته الأولى «نيليا» وابنته «ناعومى» في حادث سيارة عام 1972، وأدى الحادث أيضاً إلى إصابة ولديه «بو» و«هانتر». قمنا أنا و«جو» بتربية الولدين، وعام 1981 رُزقنا بابنتنا «آشلى». أصبحت أنا بعدها مُدرسة في مدرسة ثانوية، ووجدت نفسى في وظيفة أستاذة لغة إنجليزية في إحدى الكليات المجتمعية، وهى الوظيفة التي ظللت أمارسها حتى خلال وجودنا في البيت الأبيض. وبعد أن فقدنا «بو» بسبب إصابته بالسرطان، كدنا أيضاً أن نفقد ابننا «هانتر» بسبب الإدمان».

وتواصل: «كانت رئاسة «جو» غير مسبوقة من عدة جوانب. لقد أدى اليمين الدستورية في مدينة محاصرة بالأسلاك الشائكة لأن رفض الرئيس السابق له تسليم السلطة (تقصد الرئيس «ترامب» في فترته الرئاسية الأولى) قد تسبَّب في أحداث عنف يوم 6 يناير. وفي يوم 20 يناير 2021 الذى شهد تنصيب «جو» رئيساً، كانت هناك 3309 حالات وفاة بسبب وباء «كوفيد-19» تم الإبلاغ عنها في الولايات المتحدة في يوم واحد. كان الناس مرعوبين من أن يفقدوا حياتهم أو يفقدوا أحد أحبائهم، وكنا أمة تحيا في حالة من الألم والحزن والعزلة، وأزمات الصحة العقلية. لقد تسبَّب الوباء في أن يفقد عشرة ملايين أمريكى وظائفهم، وانهارت صناعات بالكامل. تم إغلاق المدارس، وأصبح على الآباء أن يتعاملوا مع أبنائهم ومع الدروس «أونلاين». أما حروب ما بعد 11 سبتمبر التي لا تنتهى فتسببت في خسارة أمريكا لآلاف الأرواح. كان الموقف مستحيلاً، لكنى كنت أؤمن أن «جو» مؤهَّل بشكل فريد للتعامل معه بسبب سنوات من الخبرة في العمل على التوصل لحلول وسط، وأيضاً بسبب نزاهته وثباته وتعاطفه الذى لا حدَّ له».

وتتابع: «كل سيدة أولى تتعامل مع دورها بطريقتها. تعهَّدت بأن أبذل ما في وسعى فيما يتعلق بمواجهة وباء «كوفيد 19» وإبقائه تحت السيطرة، أو دعم عائلات العسكريين والكليات المجتمعية، والترويج لأبحاث السرطان ونشر الوعى حول صحة النساء. إلا أننى لم أكن راغبة في الانخراط في السياسة. لقد نشأت في أسرة من الطبقة الوسطى، ابنة لأحد المحاربين القدماء في الحرب العالمية الثانية، وشقيقة كبرى وسط خمس أخوات، لذلك كنت أجد نفسى أكثر سعادة مع كومة من الكتب جالسة وحدى في الزاوية. تأملت تقلبات القدر التي وضعتنا في المشهد العالمى. خبرة «جو» العميقة بالسياسة الخارجية التي تكونت خلال 36 عاماً قضاها في مجلس الشيوخ، جعلت منه المرشح المناسب لشغل منصب نائب الرئيس «باراك أوباما» في الانتخابات التاريخية عام 2008، ثم جاءت حملة «جو» الرئاسية عام 2020 ليتولى الرئاسة بعد انتخابات تمهيدية صعبة انتهت بانتصار جميل».

ترسم «جيل» لزوجها صورة ودودة، قريبة من الناس، سهلة المعشر إلى حد كبير حتى خلال عمله كرئيس للولايات المتحدة الأمريكية. تقول عنه: «إن الناس يأتون إلينا طوال الوقت، يريدون أن يتحدثوا في السياسة أو أن يلقوا التحية فقط. و«جو» دائماً جاهز لذلك. كنت أرسله لشراء شىء من المتجر ليعود بعدها بثلاث ساعات التقط فيها دستة من صور «السيلفي» واتصل بوالدة أحدهم ليغنى لها عبر الهاتف «عيد ميلاد سعيد». هذا هو «جو بايدن»، سياسى بأفضل ما في الكلمة من معانٍ. يصافح الجميع، ويستمع باهتمام لمشاغلهم وآمالهم. كان هكذا وهو سيناتور، وهو نائب رئيس، وهو رئيس. الناس يأتون إليه من كل مكان من أجل مصافحة أو عناق، بينما هو يجد سعادة في ذلك كله. وفي ذلك اليوم من صيف 2025، اقتربت سيدة منا ونحن جالسين على الشاطئ ومالت نحو «جو» وقالت له: أنا طبيبة. أريد أن أسألك كيف لم يستطع طبيبك تشخيص هذا السرطان في مرحلة مبكرة؟».

وتواصل «جيل»: «الواقع أن هذا كان سؤالاً عادلاً. وجدت أنا نفسى صعوبة في الإجابة عنه. قبل ذلك بشهرين، أُصبنا بصدمة عند اكتشافنا، نحن وباقى العالم، أن «جو» لديه سرطان بروستاتا في المرحلة الرابعة، وأنه قد انتشر حتى وصل إلى عظامه. ومنذ أن تم اكتشاف هذا السرطان في تلك المرحلة المتأخرة، كان الناس يقدمون لنا تمنياتهم الطيبة ممزوجة بالارتباك: كيف يكون ممكناً أن أحداً لم يكتشف هذا المرض قبل أن يستشرى؟».

تقدم «جيل» شهادتها عن بداية اكتشاف مرض زوجها قائلة: «في العام الذى سبق مغادرتنا للبيت الأبيض، أصبح «جو» يستيقظ بشكل متكرر خلال الليل. هذا الأمر يُعتبر معتاداً بالنسبة للرجال في سنِّه. لم يفوِّت «جو» أبداً موعد كشفه الطبى السنوى. وفي فبراير 2024، أعلن طبيبه في مركز «والتر ريد» الطبى أنه «رجل في الحادية والثمانين من العمر، يتمتع بالصحة والنشاط، وما زال لائقاً للقيام بمهام الرئاسة بنجاح». كان «جو» لديه قدرة على الوصول لأفضل رعاية طبية ممكنة، وداخل مقر إقامته في البيت الأبيض هناك عيادة طبية مجهزة بشكل كامل على مدار 24 ساعة، يمر عليها حتى لو أصيب بصداع أو بالتهاب في الحلق أو للحصول على جرعة لقاح الإنفلونزا. دائماً ما كانت طبيعة علاقتنا أنا و«جو» أننا نحافظ بين بعضنا البعض على ستار من السرية فيما يتعلق بصحتنا الشخصية. عندما كنت أنا أمر بأعراض انقطاع الطمث، لم أتحدث معه أبداً حول ذلك، على الرغم من أننى مررت خلالها بعامين من الأرق الرهيب. لكنى لاحظت أن أعراض «جو» تزداد سوءاً، وقام بتحديد موعد مع طبيبه المختص في المسالك البولية، ومنذ الفحص الأول، تم تشخيص إصابته بالسرطان».

وجدت «جيل» نفسها في تلك اللحظة التي تم فيها تشخيص إصابة زوجها بالسرطان في مرحلة متقدمة بين نارين: نار التعامل مع الألم الشخصى الناجم عن اكتشاف ذلك المصاب، ونار التعامل مع الاتهامات التي وُجهت لكل من في البيت الأبيض بإخفاء مرض الرئيس السابق. إن اكتشاف مرض في تلك المرحلة المتقدمة لرئيس أقوى دولة في العالم لا يمكن أن يمر مرور الكرام. ليست القصة مجرد عدم كفاءة طبيب أو غفلة روتينية في التحاليل الطبية. هناك العديد من التداعيات السياسية لتدهور صحة الرئيس الأمريكي، وتداعيات أسوأ لو كان هناك بالفعل من حاول إخفاءها في نهاية رئاسته.

تحكى «جيل بايدن» عن تلك اللحظات قائلة: «بدأت الأسئلة أولاً هنا عن أفضل مسار للعلاج. كان علينا أن نتحرك بسرعة، وكنا نحتاج إلى خطة للتعامل، وكان على «جو» أن يبدأ بتلقى العلاج بالهرمونات والإشعاع. وطمأننا الأطباء قائلين إن السرطان لن يقضى على حياته، وإنه على الأرجح سوف يواصل حياته بشكل طبيعى. ثم كان المؤتمر الصحفي يوم 18 مايو. لم نعد قادرين على الغرق في الأحزان لأننا وجدنا أنفسنا على الفور في موقف الدفاع، بعد أن تعرَّضنا لاتهامات بإخفاء مرض «جو». صار السؤال هنا هو: كيف يكون ممكناً أن رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، أقوى رجل في العالم، الرجل الذى لديه ليس طبيباً واحداً وحسب، وإنما طاقم طبى كامل يحيط به طيلة الوقت على مدار اليوم، يتم تشخيصه بسرطان في هذه المرحلة المتقدمة؟ إذا كنتم تحيطون الرئيس بهذه الفقاعة من الحماية فكيف يمكن أن ينتهى به الحال بسرطان بروستاتا في المرحلة الرابعة؟ هذا ليس معقولاً».

وتتابع: «الحقيقة أننى لم أكن أعرف كيف يمكننى الرد على من يطرحون هذه التساؤلات لأننى كنت أشعر بنفس إحساسهم. كنت أشعر بالصدمة، لكنى لم أرغب في إهدار مزيد من الطاقة في النظر إلى الوراء والتساؤل عن كيف حدث هذا. لم يكن لدينا وقت لنضيعه. كان على «جو» أن يبدأ في تلقى العلاج الهرمونى، وأدوية الهرمونات يمكن أن تكون لها آثار جانبية حادة، تحديداً الإرهاق وتقلب المزاج، وهو ما حدث مع «جو». كل من مر بتجربة إصابة أحد أحبائه بمرض عضال يعرف معنى أن يحيا في عالم من التساؤلات: هل تناول أدويته؟ ماذا أكل خلال الإفطار؟ هل يشرب ما يكفي من الماء؟ هل أتصل بالطبيب لأنه لم ينم جيداً أمس؟. هذا هو القلق عندما يصبح رفيقاً دائماً يصاحبك».

وتواصل «جيل»: «عندما كان «جو» يتولى مهام منصبه، كان كلانا على ما أعتقد يميل إلى جانب الصمت، والحفاظ على الكرامة، وترك الأخبار المتداولة تأخذ مجراها. ربما يقرر آخرون الرد على كل إشارة، أو انتهاز أى فرصة لتحقيق مصالحهم. أما نحن فكنا نظل بعيداً عن الضجيج، نلعب وفقاً للقواعد، ونتجاهل الهجمات السخيفة، مفترضين أن الناس سوف يميزون الحقيقة. كنت شخصياً أفضِّل طريق السكوت، وأعتقد أن الكثير من مُعلمى اللغة الإنجليزية يفضِّلون قضاء وقت فراغهم في القراءة بدلاً من الكلام، وهو ما ينطبق علىَّ. إننى أنتمى إلى أسرة وإلى زمن لم نكن نتحدث فيه صراحة عن أمور مثل الصحة العقلية أو المخدرات أو الجنس أو أى شىء يثير عدم الارتياح».

وتواصل: «لذلك، عندما أسمع بعض الأشياء التي قيلت عنا أشعر بالحيرة من أن أحداً يمكنه أن يصدق مثل هذا الكلام. لقد تعرَّضت لاتهامات بالتورُّط أكثر من اللازم في رئاسة «جو» ولاتهامات أخرى مناقضة بالتراخى والانهزامية. في السيناريو الأول كنت أقرب إلى نوع من مُحركى العرائس الذين يديرون الخيوط من وراء الستار، وفي السيناريو الآخر كانت مهمتى المفترضة هى أن أقنع «جو» بعدم الترشح للرئاسة في 2024 أو بالتخلى عن سباق الرئاسة مبكراً».

في مقابل تلك الاتهامات، حرصت «جيل بايدن» على توضيح رؤيتها لدور السيدة الأمريكية الأولى قائلة: «عندما قرَّر «جو» الترشح للرئاسة للمرة الأولى عام 1987 سُئلت عمن يجب أن تكون السيدة الأولى، وكان ردِّى وقتها هو نفس الرد الذى يمكن أن أقوله اليوم: هناك هدف واحد هنا، هو أن يشعر الأمريكيون أنهم فخورون بسيدتهم الأولى، وأن يشعروا أنها، على نحو ما، تعكس حياتهم وقيمهم. رؤيتى الشخصية هى أن السيدة الأولى لا بد أن تتجاوب مع هموم ومصالح النساء الأمريكيات في عالم اليوم. هؤلاء النساء هن أيضاً أمهات، وزوجات، وعاملات يكسبن أجورهن، ويكافحن من أجل موازنة هذه الأدوار الثلاثة معاً. أعتقد أن هؤلاء النساء سوف يرون أنفسهن في سيدة أولى تحاول بدورها أن توازن بين هذه الأدوار الثلاثة».

وتواصل: «بعدها بسنوات عديدة، وجدت نفسى بالفعل أوازن بين هذه الأدوار الثلاثة كسيدة أولى، وكان هذا أكبر شرف لى في حياتى. أنا مفعمة بالامتنان لهذه الفرصة التي مُنحت لى لكى ألعب دوراً في تاريخ البلاد، حتى وإن كانت مهمتى لأداء مهام ذلك المنصب قد جاءت في ظروف لم أكن أتوقعها. لكنى أعتقد أن ما أضفته إلى دورى كسيدة أولى هو نفس ما أضيفه إلى صداقاتى وإلى علاقاتى الأسرية: القيم التي تربيت عليها. ليست لدىَّ أية أوهام حول مدى صعوبة الحياة، ولا عن مدى تعقُّد الطبيعة الإنسانية. كانت لدىَّ حياة رائعة، لكنى أعتقد أن ما كان يشغلنى دائماً هو أمر عام لدى نساء العالم: كيف يمكن إيجاد توازن بين العمل والأسرة ومكانتى في المجتمع والتزاماتى إزاء نفسى. ما زلت أعتقد أن الخدمة هى أرقى المهام، وأن الأفعال الطيبة الصغيرة تصنع فارقاً، وأننا في أعماقنا نتشابه بأكثر مما نختلف، وأن معظم الأشخاص طيبون، حتى مع كل الدلائل التي شهدتها وتشير إلى العكس، ما زلت أؤمن أن ذلك صحيح».