كيف ثأرت «30 يونيو 2013» لجيل «التسعينيات» من الإخوان؟

تجربة ثرية عشتها ولم أكن أتخيل أن تظل محتفظة ببريقها إلى اليوم. فقد شاركت قبل سنوات بدعوة كريمة من القناة الوثائقية المصرية، فى سلسلة وثائقيات بعنوان «حكايات 30 يونيو»، وقتها لم أتردد فى تلبية الدعوة وتملّكنى الحماس والشغف حتى تم التنفيذ.

وجاءت مشاركتى محاولة صادقة لتوثيق شهادتى على ثورة مصر فى يونيو 2013، ثورة الشعب التى ساندها الجيش لتحرير الوطن المختطف من قبضة الجماعة المارقة.

والتى كانت الحدث الأهم والأبرز الذى شهدته مصر خلال القرن الحادى والعشرين، بعدما أعاد رسم خرائط المستقبل، لأغلب دول إقليم الشرق الأوسط.

لم تكن مشاركتى مجاملة لقناة يرأسها زميل الدراسة فى كلية الإعلام، صديقى العزيز المخرج والأديب شريف سعيد، وإنما إيمان راسخ بأهمية المشروع الوثائقى الوطنى فى سياق ما تبذله الشركة المتحدة من جهد مشكور لصياغة ما يمكن وصفه بـ«إعلام 30 يونيو».

وأيضاً لأن وجود قناة مصرية متخصصة فى الإنتاج الوثائقى كان حلماً طالما تمنيته، وبحكم خبرتى الممتدة فى العمل الإعلامى والثقافى، كنت أدرك جيداً قيمة الفيلم الوثائقى باعتباره جزءاً من ذاكرة الأمة، وأداة مهمة فى تشكيل الوعى وصناعة المعرفة، وامتداداً لدور مصر التاريخى كقوة ناعمة مؤثرة فى محيطها العربى والإقليمى.

وكان نص شهادتي على العام الذى حكمت فيه الجماعة المارقة عبر مندوبها محمد مرسى العياط، والذى مهد الطريق لثورة المصريين فى كل الميادين فى يونيو سنة 2013، والتى حفظتها سلسلة «حكايات 30 يونيو» التى أنتجتها القناة الوثائقية المصرية، على النحو التالى:

ما زلت أتذكر جيداً لحظة إعلان فوز محمد مرسى فى انتخابات الرئاسة عام 2012، بالنسبة لى لم يكن الأمر مجرد نتيجة انتخابية، بل كان صدمة سياسية ومهنية، فقد جاء الرجل مرشحاً احتياطياً بعد استبعاد المرشح الأصلى للجماعة، بينما كانت البلاد تدخل مرحلة جديدة لم تتضح ملامحها بعد.

ومع مرور الشهور، بدأت المخاوف تتزايد. وجاء الإعلان الدستورى ليشكل نقطة فارقة دفعت مصر إلى حالة غير مسبوقة من الانقسام والاستقطاب، وقتها كان واضحاً أن الأمور تتجه إلى مسار شديد الخطورة، وأن البلاد تقف على حافة مواجهة داخلية لم يكن أحد يعرف إلى أين يمكن أن تنتهى.

لكن 30 يونيو لم تكن حدثاً مفاجئاً أو وليد لحظة عابرة، فقد سبقتها مقدمات طويلة ومهمة، أتذكر جيداً اعتصام المثقفين والفنانين أمام وزارة الثقافة، وسلسلة المظاهرات والمسيرات والاحتجاجات التى شهدتها مختلف المحافظات.

كما أتذكر الدور الكبير الذى لعبته حركة تمرد فى نقل حالة الغضب من المجال الخاص إلى المجال العام، وتحويلها إلى حراك سياسى واسع النطاق، كانت كل فئات المجتمع تقريباً حاضرة فى المشهد، من الأحزاب والقوى المدنية إلى المواطنين العاديين الذين شعروا بأن مستقبل الدولة أصبح على المحك.

ومن أهم العوامل التى ساعدت على خروج الملايين إلى الشوارع شعور الناس بالأمان. فقد التزمت مؤسسات الدولة، وفى مقدمتها القوات المسلحة والشرطة، موقفاً منح المواطنين الثقة فى قدرتهم على التعبير عن رأيهم دون خوف، ولهذا رأيت دائماً أن ما جرى فى 30 يونيو كان من أنقى صور الممارسة الديمقراطية؛ إذ خرجت الأغلبية الساحقة من المصريين لتعلن موقفها بشكل مباشر وواضح.

وعندما صدر بيان القوات المسلحة فى الأول من يوليو 2013، أدركت أننا أمام لحظة تاريخية فارقة، كان البيان متوازناً ومسئولاً، وحمل رسالة واضحة مفادها أن الدولة لا يمكن أن تظل أسيرة لحالة الانقسام القائمة، وأن هناك فرصة أخيرة أمام الجميع لتحمل مسئولياتهم الوطنية، كما عكس حرص القوات المسلحة على حماية الدولة ومنع انزلاقها إلى الفوضى أو الاقتتال الداخلى.

لكن الجماعة الحاكمة آنذاك لم تستوعب الرسالة، ولم تدرك حجم التحول الذى جرى فى الشارع المصرى، ولم تفهم دلالات اللحظة بكل ما حملته من رسائل وتحذيرات، ولذلك جاء الثالث من يوليو ليشكل لحظة حاسمة فى تاريخ الدولة المصرية.

أتذكر جيداً أين كنت لحظة إذاعة البيان، كنت أجلس فى أحد المقاهى بوسط القاهرة، أتابع المشهد وسط آلاف المصريين الذين احتشدوا فى الميادين والشوارع، وما إن انتهى البيان حتى انفجرت موجة من الفرحة يصعب وصفها بالكلمات.

شهدت فى حياتى مناسبات وطنية كثيرة، ورأيت لحظات سعادة جماعية متعددة، لكن ما رأيته فى ذلك اليوم كان مختلفاً، ولا أبالغ إذا قلت إنها كانت من أعظم لحظات الفرح الجماعى التى عشتها فى حياتى، كان شعوراً عاماً بالارتياح، وكأن المصريين استعادوا الثقة فى قدرتهم على تغيير الواقع والدفاع عن دولتهم.

والصورة التى خرج بها بيان الثالث من يوليو كانت فى حد ذاتها رسالة مهمة؛ اصطفاف وطنى واسع ضم ممثلين لمختلف القوى السياسية والدينية والمجتمعية إلى جانب مؤسسات الدولة، فى مشهد عكس حجم التوافق الوطنى الذى تشكل فى تلك اللحظة، ولهذا بدا اليوم بالنسبة لكثيرين وكأنه عبور جديد للدولة المصرية من مرحلة شديدة الصعوبة إلى أفق مختلف.

غير أن أكثر ما بقى عالقاً فى ذاكرتى ليس البيانات ولا الاجتماعات السياسية، وإنما مشاهد الناس العاديين، ففى شوارع مصر الجديدة وغيرها من أحياء القاهرة والمحافظات، خرجت الأسر بأكملها للمشاركة. كانت السيدات يقفن فى الشرفات يوزعن زجاجات المياه والحلوى على المتظاهرين، وكان السكان يفتحون بيوتهم لاستقبال المشاركين وتقديم المساعدة لهم، أتذكر جيداً مشاهد البهجة التى ملأت الشوارع، وكأن البيت المصرى كله قرر أن يغادر جدرانه وينزل إلى الميدان، شعرت يومها بأن المجتمع المصرى بأسره يشارك فى كتابة لحظة تاريخية استثنائية.

وبالنسبة لجيل التسعينيات، حملت 30 يونيو معنى خاصاً للغاية، فهذا الجيل تابع لسنوات طويلة تمدد جماعة الإخوان داخل الجامعات والنقابات والعديد من المؤسسات المجتمعية، وشاهد عن قرب حجم النفوذ الذى راكمته الجماعة داخل مفاصل المجتمع. لذلك شعرت شخصياً أن 30 يونيو كانت بمثابة لحظة استرداد وعى المجتمع المصرى بنفسه، وأن الشعب قرر أن يقف كحائط صد أمام مشروع رآه كثيرون خطراً على الدولة الوطنية المصرية.

ولهذا أقول دائماً إن 30 يونيو لم تكن مجرد احتجاج سياسى واسع، بل كانت لحظة استثنائية تجسدت فيها إرادة المصريين فى الدفاع عن دولتهم والحفاظ على تماسكها. وستظل بالنسبة لى واحدة من أكثر المحطات تأثيراً وحسماً فى التاريخ المصرى المعاصر، وربما اللحظة التى أخذ فيها جيل كامل ثأره السياسى والفكرى من مشروع ظل يواجهه لعقود طويلة.