السوشيال ميديا تحول الضحايا لـ«متهمات».. الخوارزميات لا تميز بين العدل والظلم
السوشيال ميديا تحول الضحايا لـ«متهمات».. الخوارزميات لا تميز بين العدل والظلم
لم تتوقع مريم سمير، البالغة من العمر 22 عاماً، أن يتحول منشور كتبته على حسابها الشخصي عبر موقع «فيس بوك»، توثق من خلاله تعرضها لتحرش لفظي في أحد شوارع القاهرة نهاراً، إلى شرارة أطلقت وابلاً من التعليقات الهجومية والانتقادات اللاذعة لشخصها، حيث انصبّ تركيز كثير من المعلِّقين على تقييم مظهرها وتفاصيل ملابسها بدلاً من التفاعل مع الواقعة نفسها.
وعلى الرغم من أن «مريم» لم تذكر في منشورها أسماء المتحرشين، ولم تطلب تعاطفاً خاصاً، بل اكتفت بالتعبير عن مشاعر الغضب والخوف التي تداهم الفتيات في مثل هذه المواقف، إلا أن رد الفعل جاء عكس ما توقعته تماماً، إذ واجهت موجة هجوم شرسة، بحسب وصفها.
«الخوارزميات» تعيد إنتاج العنف ولا تميز بين العدل والظلم
في السنوات الأخيرة، تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى ساحة موازية للمحاكمات العامة، خاصة فيما يتعلق بقضايا العنف ضد النساء، فبمجرد انتشار أي واقعة، تبدأ عملية تقييم للضحية، إذا ما كانت تستحق التعاطف معها، وغالباً ما يتم البحث في حياتها، ونشر صورها القديمة، وتحليل علاقاتها، وتحويلها تدريجياً من «ضحية» إلى «متهمة»، لاسيما مع ما كشفته صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية عن أن الخوارزميات التي تعتمدها مواقع السوشيال ميديا تؤدي لانتشار المنشورات التي تحصد ردود فعل غاضبة بشكل أسرع وأوسع من غيرها، لأنها تضمن بقاء المستخدمين لفترات أطول على التطبيق. هذا التحقيق يحاول تتبع كيف تعمل هذه المنظومة، وكيف تترك آثاراً نفسية ممتدة لا تتوقف عند الضحية نفسها، بل تدفع نساء أخريات إلى الصمت خوفاً من التعرض للمصير ذاته.
«قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات» وفّر أدوات صريحة لتجريم أفعال التشهير وانتهاك الخصوصية
في غضون ساعات قليلة، تحول منشور «مريم»، الذي وثّقت فيه تعرضها لتحرش لفظي، إلى ساحة لوم للضحية، حيث انهالت عليها تعليقات تارة تتهمها بالمبالغة، وتارة أخرى تحملها المسؤولية بأسئلة مثل: «لبسك كان عامل إزاى؟»، «ليه تمشي لوحدك؟»، «أكيد فهمتي غلط»، «أكيد شاف استجابة منك عشان كده اتجرأ عليكي»، حتى إن البعض بدأوا في التشكيك في روايتها قائلين «انتي بتدوّري على الاهتمام» وصولاً إلى السخرية المباشرة من مظهرها، مما جعلها تبدو كأنها المتهمة لا الضحية.
«مريم»: كنت فاكرة هلاقي دعم على مواقع التواصل الاجتماعي لقيت نفسي متهمة
تصف «مريم»، وهو اسم مستعار لعدم رغبتها في تكرار نفس التجربة المؤلمة التي مرت بها، شعورها في تلك اللحظة بالغضب والحزن الشديد، قائلة: «كنت فاكرة إني هلاقي الدعم، لكن الأمر تحول لأني بقيت متهمة وكأني أنا الجاني والسبب في اللي حصل لي».
عجزت «مريم» عن تحمل سيل الاتهامات هذا، فبادرت بحذف المنشور تماماً وإغلاق حساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي، رافضة الاستمرار في الحديث أو محاولة إثبات ما تعرضت له.
ورغم أن العنف الذي تعرضت له «مريم» كان في الشارع، إلا أن تأثيره امتد إلى الفضاء الإلكتروني، وبدلاً من أن توفر منصات التواصل الاجتماعي مساحة آمنة للبوح والدعم، تحولت إلى ساحة تعيد إنتاج العنف بصورة مغايرة وأكثر قسوة، وهو ما جعل الضحية «ضحية مرتين».
وبحسب استطلاع أجرته منظمة بلان إنترناشيونال المعنية بالمساواة بين الفتيات، وهي منظمة غير ربحية تأسست في بريطانيا، ونشرته وكالة رويترز، فإن الإساءة عبر الإنترنت تدفع الفتيات إلى ترك منصات التواصل الاجتماعي بما في ذلك «فيس بوك وإنستجرام وتويتر»، حيث تعرضت ما يقرب من 60% منهن للمضايقات.
وبحسب نتائج الاستطلاع الذي أجرته المنظمة، كانت الاعتداءات الأكثر شيوعاً على منصة «فيس بوك»، حيث قالت 39% من الفتيات اللاتي شملهن الاستطلاع إنهن تعرضن للمضايقة، تليها إنستجرام 23%، وواتساب 14%، وسناب شات 10%، وإكس (تويتر سابقاً) 9%، وتيك توك 6%.
خوارزميات الغضب
ويرجع انتشار «المحتوى الذي يحض على الكراهية» أكثر من غيره في الفضاء الإلكتروني، إلى أن الدراسات التي تجريها منصات «السوشيال ميديا» اكتشفت من خلال اختبارات الأداء أن المنشورات التي تحصد ردود فعل غاضبة تنتشر بشكل أسرع وأوسع من غيرها، وهو ما دفع شركة «ميتا» التي تمتلك «فيس بوك» منذ 2017 لإعطاء أهمية لرد الفعل «أغضبني» 5 مرات أكثر من أي رد آخر مثل «أعجبني، أحب، هاها»، بحسب تقرير نشرته صحيفة «واشنطن بوست» ضمن سلسلة تحقيقات تنتقد «فيس بوك».
محلل بيانات رقمية: اقتصاد المنصات قائم على استثمار الغضب
وأضاف التقرير الذي نشرته الصحيفة الأمريكية، أن وثائق داخلية لشركة «ميتا» أظهرت أن الباحثين في «فيس بوك» حذروا من أن إعطاء الأولوية للمنشورات التي يتم التفاعل عليها بـ«أغضبني» يؤدي إلى تضخيم المحتوى الذي يثير الغضب، ويجعل المنصة «بيئة أكثر سُمية»، ورغم ذلك لا تزال المنصة مستمرة في استغلال هذه الديناميكية لأنها تضمن بقاء المستخدمين لفترات أطول على التطبيق، مما يعني المزيد من المشاهدات وهو ما يعني بالتبعية الكثير من الإعلانات والأرباح.
الغضب يزيد التفاعل
تلك النظرية التي نشرتها «واشنطن بوست» تكاد تنطبق على ما حدث خلال الحادث الذي عُرف إعلامياً بـ«حادث فتيات الواحات» والذي وقع في أغسطس العام الماضي، عندما خرجت 3 فتيات في ساعة مُبكرة من الصباح، لكنهن تعرضن للتحرش والمضايقة من 4 شباب داخل مقهى، ما دفعهن للمغادرة فوراً، إلا أن هذا القرار كان بداية مطاردة جنونية استمرت 13 دقيقة، ما تسبب في فقدان فتاة السيطرة على سيارتها واصطدامها العنيف بسيارة نقل ثقيل متوقفة على جانب الطريق.
بمجرد انتشار مقطع الفيديو على مواقع التواصل الاجتماعي والذي صوره ووثقه أحد السائقين حيث كان موجوداً في موقع الحادث، كان هناك في البداية تعاطف مع الفتيات، وهو ما ترافق مع تحرك أمني سريع لضبط وإحضار المعتدين من قبل وزارة الداخلية، إلا أنه بعد ذلك بوقت قصير تحولت منصات التواصل الاجتماعي بما في ذلك «فيس بوك، وإكس، وإنستجرام» إلى مهاجمة الفتيات، حيث تحولت الضحايا اللاتي عانين من الرعب في المطاردة إلى متهمات بسبب التوقيت الذي خرجن فيه.
عدم فهم المحتوى الأخلاقي
«السوشيال ميديا» لا يمكنها تمييز المحتوى الأخلاقي من غيره، حسبما يؤكد المهندس أحمد سالم، المتخصص في تحليل البيانات الرقمية، مُوضحاً أن فهم ما يحدث يبدأ من فهم طريقة عمل المنصات نفسها، وهي تتعامل بنظام الخوارزميات، وهي «مجموعة من القواعد البرمجية أو المعادلات الرياضية التي تُقرر أي منشور سيظهر على الشاشة وأيها سيختفي، وهي تشبه «مدير محتوى غير مرئي»، وظيفته الوحيدة هي إبقاؤك داخل التطبيق لأطول فترة ممكنة».
«لذلك فإن خوارزميات مواقع التواصل لا تميز بين محتوى جيد أو سيئ»، وفق تأكيد محلل البيانات الرقمية، الذي يشير إلى أن تلك المواقع تعتمد بشكل أساسي على حجم التفاعل الذي يُحققه المحتوى، قائلاً: «المنصة مش بتسأل هل ده عادل أو ظالم.. هي بتسأل الناس اتفاعلت قد إيه؟».
ويوضح «سالم» أن المحتوى الذي يثير الجدل أو الغضب يحقق بطبيعته معدلات أعلى من التعليقات والمشاركات، وهو ما يدفعه للظهور بشكل أوسع، وبناءً على ذلك يصبح المحتوى الذي يتضمن لوماً للضحية أو تشكيكاً فيها أكثر قابلية للانتشار، لأنه يفتح باباً للجدل، ويجذب أطرافاً مختلفة للدخول في نقاشات حادة.
أستاذ إعلام رقمي: المستخدم لم يعد متلقياً بل شريك في صناعة الرواية
ويؤكد أن هذه الظاهرة تُعرف عالمياً بـ«اقتصاد الغضب»، حيث تتحول المشاعر السلبية إلى محرك أساسي للانتشار، فكل تعليق غاضب، أو مشاركة تحمل اتهاماً، لا تُضعف المحتوى، بل تقويه في نظر الخوارزمية، التي تفسر هذا التفاعل باعتباره نجاحاً يستحق التوسيع، مضيفاً أنه مع كل موجة تفاعل، تنتقل القصة من نطاق محدود إلى جمهور أوسع، لتبدأ مرحلة جديدة، تتجاوز مجرد تداول للخبر إلى ما يشبه بـ«محاكمة رقمية».
وكشف تقرير لهيئة الأمم المتحدة للمرأة نشرته صحيفة ذا جارديان البريطانية أن الفضاء الإلكتروني تحول إلى ساحة لاستهداف النساء عبر تقنيات متطورة مثل «التزييف العميق»، مما يشكل تهديداً مباشراً لسلامتهن النفسية والمهنية، وهو ما دفع أكثر من 40% من المشاركات في المراقبة الذاتية على المنشورات والتفاعل على السوشيال ميديا.
الجدل يحكم انتشار الكراهية
توضح الدكتورة سارة فوزي، أستاذ الإعلام الرقمي بجامعة القاهرة، أن التحول من خبر عادي إلى «تريند» لا يحتاج إلى وقت طويل، بل إلى عنصر واحد فقط، وهو «الجدل»، حيث تقول «في اللحظة اللي الناس تبدأ تختلف، الخوارزمية بتشتغل لصالح الانتشار».
وتؤكد «سارة» أن هذا الاختلاف سرعان ما يتحول إلى استقطاب، ثم إلى هجوم جماعي، موضحة أنه في هذه اللحظة، لا يعود المستخدم متلقياً، بل يصبح مشاركاً في تشكيل الرواية، من خلال التعليقات وإعادة النشر، وربما إنتاج محتوى جديد يزيد من حالة الجدل.
وسط هذا التفاعل، تظهر ظاهرة أخرى أكثر خطورة، تصفها أستاذ الإعلام الرقمي بـ«الأركيولوجيا الرقمية»، أي نبش الماضي الإلكتروني للضحية، موضحة أنه بعد ساعات من انتشار أي واقعة، يبدأ بعض المستخدمين في البحث داخل حسابات الضحية، واستخراج صور قديمة أو منشورات سابقة، وإعادة نشرها خارج سياقها، باعتبارها «أدلة» على سلوكها أو شخصيتها.
هل الضحية تستحق التعاطف؟
النبش في ماضي الضحية ومحاولة التسلل إليه والبحث حول ما إذا كانت تستحق التعاطف أم لا، أصبح من أكثر الأمور انتشاراً بين جمهور السوشيال ميديا، حسبما تقول «حبيبة رمزي»، وهو اسم مستعار بناء على طلبها، التي نشرت مقطع فيديو اتهمت فيه أحد الأشخاص بالتحرش بها، ورغم أن الفيديو لم يُظهرها بشخصها، إلا أنها بعد ساعات قليلة من النشر فوجئت بانتشار صورها الشخصية على نطاق واسع.
«وقتها الناس مابقتش بتتكلم عن التحرش ولا الرعب اللي كنت عايشة فيه من شخص بيتعقبني، وبدأوا ينتقدوا مظهري ولبسي وشعري، وإني عاملة برسينج أو حلق بالحاجب، وإني أستاهل اللي حصل معايا» بحسب قولها، موضحة أنها شعرت وقتها أنها الجاني والمتسبب الرئيسي فيما حدث لها.
تحول في التعامل مع الخصوصية
وترى الدكتورة سارة فوزي، أستاذ الإعلام الرقمي بجامعة القاهرة، أن هذا السلوك يعكس تحولاً في طريقة تعامل المجتمع مع الخصوصية، قائلة: «بقى فيه تصور إن كل ما هو منشور على الإنترنت مباح لإعادة الاستخدام في أي وقت»، موضحة أن النساء تحديداً يتعرضن لنوع مضاعف من هذا الحكم، حيث يتم تقييم سلوكهن الشخصي كجزء من الحكم على الواقعة نفسها، قائلة: «المشكلة إن ده بيخرج القضية من إطارها الحقيقي، ويحولها لمحاكمة لشخص الضحية».
في خضم هذا المشهد، لا تقف بعض وسائل الإعلام على الحياد دائماً، حسبما تؤكد «سارة»، موضحة أنه مع تصاعد المنافسة على جذب القراء، تميل بعض المنصات الإعلامية إلى تبني لغة قريبة من لغة «التريند»، من خلال عناوين تركز على هوية الضحية أو تفاصيل حياتها الشخصية.
المشاركة في المحاكمات الرقمية
وعلى الصعيد المجتمعي، يرى الدكتور شريف عوض، أستاذ علم الاجتماع بكلية الآداب بجامعة القاهرة، أن تصاعد حدة الهجوم الرقمي ضد الأفراد -وخاصة الضحايا- يرتبط ارتباطاً وثيقاً بطبيعة البيئة الرقمية التي تُحرر المستخدم من قيود التفاعل المباشر، قائلاً: «المستخدم ممكن يعبر عن رأيه بمنتهى الصراحة حتى لو كانت بطريقة جارحة بدون أي عواقب أو رد فعل»، مما يقلل من حدة الإحساس بالمسؤولية الأخلاقية، ويشجع على تبني سلوكيات عدائية قد لا يمارسها الأفراد خلال التعامل مع المحيطين به بشكل مباشر.
فضلاً عما سبق، هناك عامل آخر وهي «العدوى الجماعية»؛ حيث يميل الأفراد لتبني سلوك القطيع والانخراط في الهجوم أو السخرية لضمان التماهي مع الرأي السائد في البيئة الرقمية، حسبما يؤكد أستاذ علم الاجتماع.
ويوضح «عوض» أن هذا الضغط الاجتماعي الافتراضي يجعل من الصعب على بعض جمهور «السوشيال ميديا» اتخاذ موقف معاكس لـ«التيار السائد»، إذ يجد نفسه أمام «محاكمات جماعية»، مما يحول الفضاء الإلكتروني من أداة للتواصل إلى ساحة للإقصاء والتشهير.
أزمات نفسية صعبة «التنمر على ضحايا العنف يجعلهم يتعرضون للإيذاء مرتين»، حسبما تؤكد الدكتورة هالة حماد، استشاري الطب النفسي، التي توضح أن «التنمر الإلكتروني خاصة عندما يتحول لأن يكون جماعياً يخلق إحساساً بالحصار المستمر».
استشاري طب نفسي: الناجيات يعانين من أثر التعليقات أكثر من الواقعة نفسها
وأشارت استشاري الطب النفسي إلى أن بعض الحالات قد يؤدي الضغط النفسي لإصابتهن بما يُعرف بـ«اضطراب ما بعد الصدمة». وتتابع أنه مع الوقت لا يتوقف التأثير عند الجانب النفسي فقط، بل يمتد إلى سلوك الضحية نفسها، فالكثيرات منهن يلجأن إلى إغلاق حساباتهن، أو تقليل ظهورهن، أو تعديل طريقة تعبيرهن عن أنفسهن.
وهو ما أكده تقرير منظمة الأمم المتحدة للمرأة الذي وصف العنف الذي تتعرض له النساء في الفضاء الإلكتروني بأنه «اغتصاب افتراضي بمساعدة الذكاء الاصطناعي» أصبح في متناول المعتدين، وأضاف التقرير الذي استطلع آراء أكثر من 600 سيدة وفتاة، أن 25% من المشاركات أبلغن عن إصابتهن بالقلق أو الاكتئاب، بينما عانت 13% منهن من اضطراب ما بعد الصدمة.
وتؤدي تلك الأزمات والانتهاكات التي تتعرض لها النساء في الفضاء الرقمي، من تشهير وتنمر جماعي وانتهاك للخصوصية، إلى ما يمكن وصفه بـ«تأميم الصمت»، حيث لا يتوقف الأذى عند الضحية المباشرة، بل يمتد أثره إلى أخريات يراقبن من بعيد، فيُعدن حساباتهن، ويفضلن عدم الإبلاغ أو الحديث عما تعرضن له، خوفاً من أن يتحولن بدورهن إلى مادة للفضيحة الرقمية ومحاكمة جماعية لا ترحم، حسبما تؤكد د. هالة حماد، استشاري الطب النفسي، مؤكدة أن الكثيرين منا يتعلمون من تجارب الآخرين. هذا ما تؤكده عدد من الشابات منهن سمية جمال، طالبة جامعية، قائلة: «لما تعرضت لأذى من زميل ليا، رفضت بشكل قاطع كتابة هذا الأمر على السوشيال ميديا حتى وإن كان بدافع التوعية، بعد ما شُفت اللي بيحصل لغيري لما اتكلموا عن مشاكلهم الهجوم كان كبير ومش مبرر».
«هبة»: اللي شُفته خلاني أختار السكوت محلل
واتفقت معها زميلتها «هبة محمد» في الرأي، مشيرة إلى أن معظم المجموعات على مواقع التواصل الاجتماعي «الجروبز» أصبحت تنهش السيدات اللاتي يفكرن في عرض أي موقف تعرضن خلاله للأذى، والذي يبدأ بالتشكيك في روايتها والبعض يتهمها بالكذب ثم البدء في الخوض في عرضها. «سمية» و«هبة» قالتا أيضاً إنهما ترفضان كتابة أي منشورات على السوشيال ميديا بكافة أنواعها حفاظاً على الخصوصية، وحماية لحالتهن النفسية من الأذى مرتين.
جهود رسمية لمواجهة العنف الرقمي
وفي مواجهة تصاعد العنف الرقمي ضد النساء، بدأت الحكومة المصرية في تعزيز حماية أمن المرأة السيبراني، حيث تم تعزيز الإطار القانوني من خلال «قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات» رقم 175 لسنة 2018، الذي وفّر أدوات قانونية صريحة لتجريم أفعال التشهير، والابتزاز، وانتهاك الخصوصية، وإساءة استخدام الحسابات الشخصية.
وتعمل وزارة الداخلية بالتنسيق مع الجهات القضائية، على تفعيل هذه النصوص من خلال أجهزة متخصصة لرصد الجرائم الإلكترونية وملاحقة مرتكبيها، مما يضمن تقليص مساحة الإفلات من العقاب وتعزيز الردع العام في الفضاء الرقمي.
وأطلق المجلس القومي للمرأة عدة حملات للتوعية بمخاطر الابتزاز الإلكتروني والتنمر عبر الإنترنت، إلى جانب توفير خطوط دعم قانوني ونفسي للنساء والفتيات اللاتي يتعرضن للعنف الرقمي.
أستاذ علم اجتماع: السوشيال ميديا تحولت لساحة إقصاء يغيب عنها الضمير
وعمل المجلس على تقديم بلاغات ومتابعة عدد من القضايا التي أثارت جدلاً واسعاً على مواقع التواصل، خاصة القضايا المتعلقة بالتشهير أو انتهاك الخصوصية أو نشر الصور دون موافقة أصحابها.
ويتعاون المجلس القومي للمرأة مع المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في حملات تستهدف رفع الوعي بخطورة خطاب الكراهية والتنمر الإلكتروني، مع الدعوة إلى التزام المؤسسات الإعلامية بمواثيق الشرف المهني عند تناول قضايا النساء.
ورغم هذه الجهود، يرى متخصصون أن التحدي لا يزال أكبر من قدرة القوانين وحدها، بسبب السرعة الهائلة لانتشار المحتوى المسيء على المنصات الرقمية، وصعوبة السيطرة على «المحاكمات الجماعية» التي تقودها حسابات وصفحات متعددة في وقت قصير.
لذلك يطالب كل من الضحايا والخبراء بضرورة تطوير سياسات أكثر وضوحاً للتعامل مع العنف الرقمي، وإلزام منصات السوشيال ميديا العالمية بسرعة الاستجابة لبلاغات الإساءة، إلى جانب تعزيز التوعية المجتمعية بخطورة تحويل الضحايا إلى مادة للتشهير أو التنمر الجماعي.



