التفسير القانوني للقرآن الكريم
تنوعت أساليب تفسير القرآن الكريم؛ فثمة التفسير اللغوى لآيات القرآن الكريم، ناظرين أصحابه فى ذلك إلى أن القرآن الكريم منزل من عند الله عز وجل بلفظه ومعناه، وقد نزل باللغة العربية، ومن ثم يكون من المنطقى والطبيعى أن تكون لغة العرب من أهم المصادر وأوثقها فى معرفة كلام الله تعالى.
وهناك التفسير التاريخى للقرآن الكريم، حيث يهدف رواد هذا الاتجاه فى التفسير إلى إبراز علم التاريخ وعلاقته بالقرآن الكريم ودوره فى تفسيره، وبيان عناية المفسرين به وتوظيفه فى تفسير القرآن الكريم، ويهدف أيضاً إلى بيان الآثار الحسنة والسيئة المترتبة على تفسير القرآن الكريم بالتاريخ.
وثمة التفسير العلمى للقرآن الكريم، حيث يؤكد رواد هذا الأسلوب من أساليب التفسير إلى أن الإعجاز العلمى للقرآن الكريم هو حالة خاصة من التفسير العلمى عندما يشير القرآن الكريم إلى حقيقة علمية كان من الصعب إدراكها وقت نزوله بالوسائل البشرية فى زمن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، مما يظهر صدقه فيما بلغ عن رب العزة.
ورغم تنوع أساليب تفسير القرآن الكريم، لم يسبق لأحد أن تحدث عن التفسير القانونى للقرآن الكريم، وذلك على الرغم من أن علم القانون يهتم بالألفاظ ودلالتها، وتحكم كل من القرآن الكريم والقانون أصول تفسيرية واحدة.
ويغدو بالتالى من المنطقى أن تتم الاستفادة من نظريات وأفكار ومبادئ علم القانون فى إلقاء الضوء على بعض أوجه التأويل والتفسير لآيات القرآن الكريم.
وقد سبق لى الحديث عن الإعجاز القانونى للقرآن الكريم. ولكن، أجدنى اليوم أمام نظرة أوسع وأشمل، لا تقصر البحث على أوجه الإعجاز القانونى للقرآن الكريم، وإنما يمتد نطاق البحث والاهتمام إلى ما يمكن أن نطلق عليه التفسير القانونى للقرآن الكريم.
وانطلاقاً مما سبق، أرى من المفيد فى هذا الشأن أن نتطرق إلى تفسير قوله تعالى: «ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ» (سورة الدخان: الآية 49).
ففى بيان هذه الآية، ورد فى تفسير ابن كثير: وقوله «ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ» أى، قولوا له ذلك على وجه التهكم والتوبيخ.
وقال الضحاك عن ابن عباس: أى لست بعزيز ولا كريم.
وقد قال الأموى فى مغازيه: حدثنا أسباط، حدثنا أبوبكر الهذلى، عن عكرمة قال: لقى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا جهل - لعنه الله - فقال: «إن الله تعالى أمرنى أن أقول لك (أولى لك فأولى. ثم أولى لك فأولى) [سورة القيامة: الآيتان 34، 35] قال: فنزع ثوبه من يده وقال: ما تستطيع لى أنت ولا صاحبك من شىء.
ولقد علمت أنى أمنع أهل البطحاء، وأنا العزيز الكريم. قال: فقتله الله تعالى يوم بدر وأذله وعيره بكلمته، وأنزل: «ذق إنك أنت العزيز الكريم». وفى تفسير القرطبى، ورد ما يلى: قوله تعالى «ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ» قال ابن الأنبارى: أجمعت العوام على كسر إن وروى عن الحسن عن على رحمه الله (ذق أنك) بفتح «أن»، وبها قرأ الكسائى.
فمن كسر إن وقف على ذق ومن فتحها لم يقف على ذق، لأن المعنى ذق لأنك وبأنك أنت العزيز الكريم.
قال قتادة: نزلت فى أبى جهل وكان قد قال: ما فيها أعز منى ولا أكرم، فلذلك قيل له: ذق إنك أنت العزيز الكريم وقال عكرمة: التقى النبى - صلى الله عليه وسلم - وأبوجهل فقال النبى - صلى الله عليه وسلم -: إن الله أمرنى أن أقول لك أولى لك فأولى فقال: بأى شىء تهددنى!
والله ما تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بى شيئاً، إنى لمن أعز هذا الوادى وأكرمه على قومه، فقتله الله يوم بدر وأذله ونزلت هذه الآية.
أى: يقول له الملك: ذق إنك أنت العزيز الكريم بزعمك.
وقيل: هو على معنى الاستخفاف والتوبيخ والاستهزاء والإهانة والتنقيص، أى: قال له: إنك أنت الذليل المهان. وهو كما قال قوم شعيب لشعيب: إنك لأنت الحليم الرشيد يعنون السفيه الجاهل فى أحد التأويلات على ما سيأتى بيانه لاحقاً.
وهذا قول سعيد بن جبير.
وفى الإطار ذاته، وفى سورة هود، يروى القرآن الكريم قصة نبى الله شعيب مع قومه، طالع: (سورة هود: الآيات 84 - 88).
وفى بيان رد قوم شعيب على دعوته لهم، قائلين له «أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِى أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ»، وعلى وجه التحديد قولهم له «إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ»، ذهب بعض أهل التأويل إلى أن هذا القول منهم إنما جاء على سبيل الاستهزاء والتسفيه.
وبذلك، قال أبوجعفر: وأما قولهم لشعيب: «إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ» فإنهم أعداء الله، قالوا ذلك له استهزاءً به، وإنما سفَّهوه وجهَّلوه بهذا الكلام.
وروى عن ابن جريج: «إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ»، قال: يستهزئون.
وقال ابن زيد فى قوله: «إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيد»، المستهزئون، يستهزئون: بأنك لأنت الحليم الرشيد!
ويحضرنى فى هذا الشأن ما هو مقرر فى الفقه القانونى والقضاء المصرى والفرنسى أن الإسناد فى جريمة القذف يتحقق بالذم والتحقير، وهذا هو الأصل والوضع الشائع، كما يتحقق بإسناد أمر مشين فى قالب مادح، وذلك حيثما تكون العبارات فى موضع لا يحتمل التعظيم أو الإجلال، بل يكون المقصود من هذه العبارات هو الذم أو القدح أو التهكم.
وقد يظهر ذلك بجلاء عندما تكون الكلمة البريئة فى مظهرها وضعت عمداً بين قوسين متى كانت العبارات المنشورة، كما يكشف عنوانها، دالة على عدم تمتع الشخص بهذه الصفة.
فعلى محكمة الموضوع تحت رقابة محكمة النقض استخلاص المقصود من العبارات التى صدرت من المتهم وتبين مناحيها واستظهار مراميها، مع الأخذ فى الاعتبار المناسبة التى قيلت فيها للقول بتوافر أو انتفاء الجريمة.
وهكذا، تتقاطع آراء الفقه القانونى مع رأى بعض أهل التأويل القرآنى فى الوقوف على دلالة بعض الألفاظ والعبارات.
وهذا هو جوهر وفحوى ما نعنيه بالتفسير القانونى للقرآن الكريم.