نهاية مأساوية لـ«سبايدر مان اليمن».. لماذا يسقط المغامرون رغم خبرتهم؟
نهاية مأساوية لـ«سبايدر مان اليمن».. لماذا يسقط المغامرون رغم خبرتهم؟
في لحظة بدت وكأنها امتداد لمشهد اعتاد تقديمه أمام الكاميرا، كان الشاب اليمني القعقاع بن عنتر يتقدم على حافة الفوهة البركانية في «حرضة دمت» بمحافظة الضالع، كان يؤدي حركات بهلوانية كما اعتاد في مقاطع فيديو وثقت مغامراته وجعلته يعرف بـ«سبايدر مان اليمن».
المشهد الأخير للشاب اليمني
لم تكن هناك أي معدات أمان، لا حبال ولا وسائل حماية، فقط فراغ يمتد تحت قدميه، وفي جزء من الثانية، انزلقت قدمه، وتوقف الزمن تقريبًا عند تلك اللحظة، قبل أن يختفي جسده في عمق الفوهة وسط صدى ارتطام بعيد، انتهى معه المشهد بإعلان وفاته عن عمر 30 عامًا.
خيم الحزن العميق على الأوساط اليمنية والعربية عقب الحادثة، وتشير المعطيات الأولية إلى أن المغامر الشاب القعقاع بن عنتر فقد توازنه أثناء وجوده بالقرب من الحافة الخطرة، ليسقط إلى عمق كبير، واستغرقت فرق الإنقاذ نحو يومين من العمليات المعقدة لانتشال جثمانه، نتيجة صعوبة التضاريس وارتفاع درجات الحرارة داخل الفوهة.
تفتح هذه المأساة تساؤلات أوسع حول المخاطر المرتبطة بممارسات التسلق والمغامرات الفردية في بيئات طبيعية شديدة الوعورة، وكيف يمكن لتجارب متكررة وناجحة أن تنتهي أحيانًا بنتائج مميتة رغم الخبرة السابقة، كما تطرح سؤالًا، لماذا يموت المغامرون رغم خبرتهم؟
يقول أندي كيركباتريك، وهو متسلق جبال بريطاني حائز على جوائز، معلقاً باختصار: «كانت حياته بين يديه، انزلقت يده، فمات».
من منظور تسلق الجبال وإدارة المخاطر، ومع غياب تحقيق رسمي، تظهر اللقطات المتداولة أن الحادث وقع في بيئة شديدة الانحدار ذات مخاطر موضوعية مرتفعة، فالطبيعة البركانية تتسم بعدم الاستقرار بفعل تفتت الصخور، التآكل، الغبار، والتغيرات الجوية.
وفي ظل غياب أنظمة السلامة القياسية كالحبال وأحزمة الأمان والخوذ، فإن أي انزلاق بسيط أو انهيار موضعي للصخر يكون كافيًا لإحداث نتيجة قاتلة.

عندما يتحول الاعتياد على الخطر إلى فخ
يوضح متسلق الجبال الأردني مصطفى سلامة، المعروف بإكماله تحدي «الجراند سلام للمستكشفين»، في حديثه لـ«الوطن»، أن الخبرة لا تلغي المخاطر، ويشير إلى أن الحوادث المميتة بين المحترفين غالبًا ما ترتبط بعوامل متداخلة، أبرزها الثقة المفرطة الناتجة عن تكرار النجاح، وتراجع مستوى الانتباه في الأنشطة التي أصبحت مألوفة، إضافة إلى الأخطاء البشرية اللحظية وسوء التقدير، فضلًا عن عوامل بدنية مثل الإرهاق والجفاف، وعوامل بيئية مثل عدم استقرار التضاريس أو سقوط الصخور أو التغيرات المفاجئة في الطقس.
ويرى «سلامة» أن المفارقة الأساسية في هذه الحوادث تكمن في أن المتسلقين لا يفقدون حياتهم نتيجة نقص في الكفاءة، بل نتيجة الاعتياد على الخطر، فالمهام التي تنجز بنجاح متكرر قد تولد إحساسًا تدريجيًا بالأمان، بينما يظل الواقع أن خطًأ واحدًا أو تغيرًا غير متوقع في البيئة كفيل بإنهاء التجربة بالكامل، مهما بلغت الخبرة.
يقول: «لا تقع العديد من الحوادث بسبب نقص الخبرة، بل بسبب شعور الشخص بالألفة مع الخطر، فالمهمة التي أُنجزت بنجاح عشرات أو حتى مئات المرات قد تُولد شعورًا زائفًا بالأمان، يكفي الجبل أو الجرف أو التضاريس خطأ بسيط، أو صخرة متساقطة، أو حدث غير متوقع لوقوع مأساة»، مضيفًا: «في الرياضات الخطرة، لا يضمن النجاح السابق السلامة في المستقبل».
فخ تطبيع المخاطر
ويصف علماء النفس وخبراء إدارة المخاطر هذه الحالة بـ«تطبيع المخاطر»، حيث يؤدي التعرض المتكرر لمواقف خطرة دون عواقب مباشرة إلى تقليل إدراك مستوى الخطر الفعلي، ما قد يدفع الأفراد تدريجيًا إلى خفض احتياطات السلامة وقبول مستويات أعلى من المخاطر.
يقول: «بصفتنا مغامرين، يجب أن نُذكر أنفسنا باستمرار بأن الطبيعة لا تبالي بمدى خبرتنا، يجب أن يظل احترام المخاطر، والتحضير الجيد، وأنظمة السلامة المناسبة سارية في كل مرة، بغض النظر عن عدد المرات التي نجحنا فيها في إكمال تحد ما من قبل».
عبر شاشة هاتفه المحمول، تابع المتسلق الكندي البارز ويل جاد، المشهد الأخير للمغامر اليمني الشاب القعقاع بن عنتر، بعد أن تمت مشاركته معه عبر البريد الإلكتروني.
عجز «جاد» عن تحديد السبب الدقيق، هل انكسرت الصخرة، أم أنه فقد قبضة يده وسقط؟ لكنه يؤكد: «عندما تتسلق دون حبل، فإن أي مشكلة صغيرة أو خطأ في الحسابات قد يؤدي إلى الموت للأسف»، مضيفًا: «فيديو محزن للغاية، والسلام لعائلته وأصدقائه».
ويقول «جاد» حامل الرقم القياسي العالمي السابق لمسافة الطيران الشراعي ومتسلق الجليد البارز: «من السهل جدًا بعد فوات الأوان أن نقول، لو فعل هذا بشكل مختلف لما مات، لكن هذا ينطبق على جميع الحوادث، أنا متأكد من أن المتسلق لم يكن ليفعل ما فعله لو علم أنه سيموت أثناء القيام به».
يرى المستقل الكندي أن القيام بشيء ما بأمان مئات المرات، لا يعني أنه آمن: «يمكننا تدخين آلاف السجائر ومع ذلك نموت بسرطان الرئة، يمكننا القيام بحركات استعراضية كهذه بدون حبال مئات المرات، لكن عواقب أي خطأ بسيط هي الموت دائمًا، وكلنا نرتكب أخطاءً دائمًا».
يضيف موضحًا وجهة نظره في «المغامر اليمني»، قائلًا: «من الواضح أنه كان يعشق الأداء واستعراض خطورة ما يفعله، لكن لا أحد معصوم من الخطأ، فكلنا نخطئ، عندما تكون عواقب الخطأ هي الموت، يصبح الموت حتميًا، البشر يخطئون، وكلنا نموت، ولكن هل نعيش حقًا؟».
بحسب «جاد»، يمكن جعل هذا النوع من التسلق أكثر أمانًا باستخدام الحبال ومعدات السلامة التقليدية، لكن يظل السؤال المطروح، هل كان المشهد سيحمل القدر نفسه من الإثارة والتشويق لو كان المؤدي مربوطًا بحبل أمان واضح؟
بالنسبة للكثيرين، عنصر الخطورة نفسه يبدو جزءًا أساسيًا من جاذبية هذا النوع من المحتوى، وهو ما يثير نقاشًا أوسع حول الحدود الفاصلة بين المغامرة والاستعراض.
اقتصاد الإثارة
في هذا الإطار، لا يُنظر إلى القعقاع بن عنتر باعتباره متسلقًا تقليديًا بقدر ما هو جزء من نمط من الأداء فوق التضاريس الصخرية، حيث تتحول الخطورة إلى عنصر بصري أساسي يجذب المشاهدات، يقول: «ارتبط هذا الاتجاه في السنوات الأخيرة بعدد من الحوادث المميتة لصناع محتوى على منصات مثل يوتيوب، أثناء تنفيذ مقاطع تعتمد على المخاطرة العالية».
يطرح «جاد» سؤالًا أكثر تعقيدًا حول العلاقة بين الجمهور وصناعة هذا النوع من المحتوى، حيث يرى أن فالمشاهدة والتفاعل تتحولان إلى جزء من منظومة اقتصادية تكافئ ارتفاع مستوى الخطورة، ما يجعل الجمهور، بشكل غير مباشر، جزءًا من دورة إنتاج هذا النوع من السلوك.
يقول المتسلق الكندي: «ربما رأى القعقاع بن عنتر في ما كان يفعله ما يثير الإعجاب والدهشة لدى متابعيه، أو ربما ظن أن احتمال السقوط بعيد، لكن جوابه سقط معه، واليوم، يبقى على أهله وأصدقائه محاولة فهم ما حدث، وهي مهمة بالغة الصعوبة».