ألزهايمر على الهواء

خالد منتصر

خالد منتصر

كاتب صحفي

قصة إعلان اعتزال المذيع الأمريكى بيل ريتر على الهواء، وتصريحه الشجاع بأن سبب الاعتزال هو إصابته بألزهايمر، قصة تحمل دلالات ودروساً وتساؤلات كبيرة ومحيرة، منها: هل سيظل ألزهايمر مرضاً بلا علاج؟، كيف نفرق بين نسيان الإرهاق، ونسيان ألزهايمر؟، هل التشخيص المبكر مهم، أم أنه نذير رعب، ولا داعي له، لأنه بلا طائل، فلا طوق نجاة سينقذ، ولا طريقة ستمنع أو تؤجل؟.

لكن ما حكاية بيل ريتر؟، بيل ريتر هو أحد أشهر مذيعى قناة ABC7 في نيويورك، ظل لعقود وجهاً مألوفاً لملايين المشاهدين. لكن قبل نحو عامين بدأ يلاحظ شيئاً غريباً، أصبح ينسى أسماء أشخاص وأماكن يعرفها جيداً، في البداية ظن أن السبب هو الإرهاق وضغط العمل، خاصة أنه كان يعمل لساعات طويلة في نشرات الأخبار، وعندما خفّض ساعات عمله توقع أن تتحسن ذاكرته، لكن الأعراض استمرت، قرر أخيراً الخضوع للفحوص الطبية، فجاء الخبر الذى كان يخشاه، ألزهايمر في مراحله المبكرة، وكان وقع التشخيص عليه أشد لأنه رأى والده يعانى من مرض مشابه وانتهى به الأمر إلى الوفاة، وقد قال إنه شعر بالخوف والرعب فور سماع النتيجة، المثير للاهتمام أن والد بيل ريتر لم يكن مصاباً بمرض ألزهايمر الكلاسيكى كما كان يُعتقد في البداية، بل كان يعانى من نوع آخر من الخرف يسمى خرف أجسام ليوي (Lewy Body Dementia)، وهو مرض يقع في منطقة وسطى بين ألزهايمر ومرض باركنسون، خرف أجسام ليوى قد يبدأ بتقلبات شديدة في الانتباه والتركيز، وهلوسات بصرية واضحة، ومشكلات حركية تشبه الباركنسون.

منذ عدة أيام فقط فاجأ «ريتر» المشاهدين بإعلان الخبر على الهواء مباشرة، قال إنه يتلقى علاجاً يساعد على إبطاء تطور المرض حالياً، لكنه أوضح بصراحة أنه لا يوجد حتى الآن علاج شافٍ لألزهايمر، لذلك قرر التقاعد من تقديم النشرات اليومية بعد أكثر من ربع قرن أمام الكاميرا، المدهش أنه أعلن عن مواصلته العمل الصحفي بطريقة مختلفة، مخصصاً جزءاً كبيراً من جهده للحديث عن ألزهايمر، ومعاناة المرضى وأسرهم، وتكاليف الرعاية والعلاج، والحاجة إلى مزيد من الأبحاث العلمية.

هناك ثورة الآن في أبحاث علاج ألزهايمر، لأنها لا تطمح لعلاج الأعراض فقط، بل تستهدف تراكم بروتين الأميلويد في الدماغ، مثل دواء ليكانيماب ودونانيماب، وكلاهما أجسام مضادة تُعطَى بالوريد وتزيل ترسبات الأميلويد من الدماغ، وقد أثبتت الدراسات أنهما يبطئان تدهور الذاكرة والتفكير لدى المرضى في المراحل المبكرة من المرض، لكن من المهم فهم نقطة جوهرية، هذه الأدوية ليست شفاءً لألزهايمر، هى قد تؤخر التدهور عدة أشهر إلى سنة أو أكثر عند بعض المرضى، لكنها لا تعيد الذاكرة المفقودة ولا توقف المرض تماماً.

من أكثر رسائل بيل ريتر تأثيراً قوله إن الناس لا يجب أن يتجاهلوا أعراض النسيان أو يبرروها دائماً بالتقدم في العمر، بل عليهم طلب التقييم الطبى مبكراً، فقد اعتبر أن التشخيص المبكر من أهم الدروس التي تعلمها من تجربته، لكن السؤال المؤلم: هل لو عندك فرصة تشخيص ألزهايمر، هل ستجربها وأنت واثق أنه مرض بلا علاج حتى الآن؟.