المسجد.. والأيام العصيبة
لم تكن سنة 9 هجرية من السنوات العادية فى حياة المسلمين، فقد كان جيش المسلمين يعانى إرهاقاً كبيراً بعد ما حدث فى غزوة «مؤتة» سنة 8 هجرية التى واجهوا فيها الروم، واستُشهد خلالها القادة الثلاثة الذين عيّنهم النبى، صلى الله عليه وسلم، على رأس الجيش المحارب، وهم بالترتيب زيد بن حارثة، وجعفر بن أبى طالب، وعبدالله بن رواحة.
اتفق أبوعامر الراهب مع منافقى المدينة على بناء مسجد جنوب المدينة المنورة فى حى (بنى عمرو بن عوف)، وشارك فى تأسيسه وبنائه 12 شخصاً كلهم من قبيلة الأوس (بنى عمرو بن عوف)، وأسماؤهم كالتالى، كما يحكى «ابن كثير» فى «البداية والنهاية»: خذام بن خالد، الذى بنى المسجد إلى جوار داره، وثعلبة بن حاطب، ومعتب بن قشير، وأبوحبيبة بن الأزعر، وعباد بن حنيف أخو سهل بن حنيف، وجارية بن عامر وابناه مجمع وزيد، ونبتل بن الحارث، وبحزج من بنى ضبيعة، وبجاد بن عثمان، ووديعة بن ثابت. وتم تكليف مجمع بن جارية بأن يكون إمام المسجد الجديد.
فى الوقت الذى كان فيه هؤلاء يبنون المسجد بإيعاز من أبى عامر الراهب، كان النبى، صلى الله عليه وسلم، يتجهز لتسيير الجيش الذى أطلق عليه «جيش العسرة» لمواجهة الروم، بعد أن وصلت إليه أخبار بأن الروم يعدّون العدة لمباغتته فى المدينة، وهو الخبر الذى نقله أبوعامر الراهب إلى المنافقين ليستعدوا للانقضاض من الخلف على المؤمنين، والواضح أن هناك جيباً كبيراً من الأوس كان يتحين الفرصة للانقلاب على النبى والمسلمين، وأغلبهم كانوا من حى «بنى عمرو بن عوف».
وقبل أن يتحرّك النبى لملاقاة الروم فى موقعة «تبوك» كان المنافقون قد انتهوا من بناء المسجد على صورة مسجد «قباء»، وجاء جماعة منهم إلى النبى، وأرادوا أن يصلى لهم فيه حتى يروج للمسجد ويطمئن المسلمون إلى الصلاة فيه، فعصم الله رسوله، صلى الله عليه وسلم، من الصلاة فيه وذلك أنه كان على جناح سفر إلى «تبوك»، وحين عاد النبى من «تبوك» وبات على مقربة من المدينة نزل عليه قوله تعالى: «وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ».
اجتهد بناة مسجد «ضرار» فى المراوغة لإثبات حسن نيتهم وأنهم ما قصدوا إلا الرفق بالمسلمين، والمنفعة والتوسعة على أهل الضعف والعلة ومن عجز عن الذهاب إلى مسجد رسول الله للصلاة فيه، وكانوا فى ذلك كاذبين، فقد أرادوا الإضرار بمسجد رسول الله، واتخاذ المسجد مركزاً لتجميع من يأتون إلى المدينة من أتباع أبى عامر الراهب، وليضموا إلى الاجتماعات التى سيحتضنها المسجد كل من يستطيعون إقناعهم بالانقلاب على النبى والمسلمين بمجرد أن ينجح جيش الروم فى هزيمتهم.
لقد كانت سنة 9 هجرية سنة عصيبة على المسلمين، فقد بدأت القوى البارزة القريبة من الجزيرة العربية تتنبّه إلى الانتصارات المتتالية التى حققها النبى ودان له بسببها العرب، فبدأت تدبّر بكل السبل للتخلص منه، من خلال الحرب، أو عبر المؤامرات الداخلية، وتحريض العرب على الارتداد والتحرك ضده، صلى الله عليه وسلم.