السياسة رقعة شطرنج (2)
تعددت استعارة الشطرنج فى السياسة والتخطيط الاستراتيجى، فها هو مستشار الأمن القومى الأمريكى السابق زبجينو بريجنسكى يرى العالم رقعة شطرنج فى كتابه الشهير «رقعة الشطرنج الكبرى: الأولويّة الأمريكية ومتطلباتها الجيوستراتيجية»، والذى يحوى تنظيراً وتحليلاً ونبوءة لكيفة استمرار بلاده مسيطرة على العالم أطول فترة ممكنة، عبر سرد تاريخى أراد من خلاله أن يبرهن على أن الإمبراطورية الأمريكية مختلفة عن غيرها من الإمبراطوريات التى حكمت العالم منذ فجر التاريخ، ثم يعدد ركائز قوتها، وأسرار ظهورها السريع كقطب أوحد فى العالم المعاصر، والقوى الأخرى التى يمكن أن تنافسها، والتحديات والتهديدات التى ستواجهها، والأماكن التى سيتعزز فيها النفوذ الأمريكى، والأرض التى ستكون نقطة انطلاقها إلى الهيمنة على العالم، والقوى التى ستساندها فى سبيل تحقيق هذا الهدف.
وهناك من حاول توزيع أدوار الدول فى منطقة الشرق الأوسط بالطريقة نفسها التى تتوزع بها قطع الشطرنج على رقعتها، فدولة تمثل «الملك» وأخرى تمثل «الوزير» وثالثة تمثل «الطابية» ورابعة تمثل «الحصان» وخامسة هى «الفيل»، وهناك من ليس بوسعها سوى أن تكون «بيادق»، ويدور التزاحم والتنافس والصراع بينها على هذا الأساس، بينما تحاول قوى أخرى أن تقحم نفسها على الرقعة باحثة عن دور بأى ثمن.
واستعار راى تاكير، من واقع خبرته الطويلة بالشئون الإيرانية وعضويته فى مجلس العلاقات الخارجية الأمريكية، لعبة الشطرنج فى تحليل السياسة الإيرانية الخفية، خاصة حيال العراق، التى تم تنفيذها بأيدى أحمدى نجاد، الذى يمثل جيل العائدين من الحرب، وأستاذه خامنئى، والبراجماتى هاشمى رافسنجانى، والإصلاحى محمد خاتمى، فى غفلة من إدارة الرئيس جورج بوش الذى غزا العراق، فسلمه، دون قصد منه، إلى النفوذ الإيرانى.
وصور وليام جارى كار، وهو كان ضابطاً بالبحرية الكندية وكاتباً تمت تصفيته وعائلته فى ظروف غامضة، الأرض على أنها مجرد رقعة شطرنج، تمتد أيادٍ خفية لتحرك ما عليها من قطع فى صمت ومكر ودهاء، ليصبح القادة بل الشعوب طوع بنانها، قاصداً بهذه القوة الخفية حاخامات اليهود وجماعات الضغط التابعة لهم فى مختلف الدول، مسمياً إياهم بالنورانيين الملحدين، الذين يسعون إلى نشر الفساد والرذيلة، خصوصاً بين الشباب، وإنهاك الأمم، سواء بدفع عملائهم إلى سدة الحكم، أو بنصب أفخاخ لكبار الساسة كى يقعوا فى الفساد والرشوة والتزوير، وبالتالى يسهل على هؤلاء المخفيين ابتزازهم، ومن ثم تسييرهم كيفما شاءوا، أو عبر إثارة الأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، لترهق الدول بالديون والاضطراب والفوضى. ويصل كار فى تصوره هذا إلى درجة أنه يعتبر الثورات الكبرى، الإنجليزية والفرنسية والروسية والإسبانية، حلقات فى مسلسل واحد متناسق ومخطط له من قِبَل المنظمات السريّة العالمية، وأن قادة كباراً مثل تشرشل وستالين وروزفلت هم مجرد أحجار على رقعة شطرنج، تحركوا بلا إرادة منهم، مستشهداً فى كتابه هذا، الذى استغرق إعداده أربعة عقود، بقرائن تبين تغلغل عائلات يهودية كبرى فى صفوف النخب الحاكمة فى بلدان عدة لتصبح فى طليعتها، وبكتب سابقة منها «بروتوكولات حكماء صهيون» وبعض المخطوطات المحفوظة فى مكتبات عامة.
بل تعدت استعارة لعبة الشطرنج مسائل السياسة والحرب، حيث تم توظيفها فى التعبير عن اللغة ذاتها، وهى بالقطع حامل المجازات الأول. وقد استخدم عالم اللغويات السويسرى ردينان دى سوسور كى يقرب قواعد اللغة ومكوناتها إلى الأذهان، متجاوزاً الدرس اللغوى ذا الطابع التاريخى، باعتبارها تطوراً للأصوات، وناظراً إلى اللغة على أنها كرقعة شطرنج يتغير وضعها باطراد فى كل نقلة يقوم بها أحد اللاعبين، وعندها يمكن وصفها بشكل كامل نحدد فيه وضع كل قطعة فى الصورة الإجمالية الماثلة أمامنا، متجاوزين الشكل السابق لها، كما نغض الطرف باستمرار عن نقلاتنا الفائتة على الرقعة ونحن نتقدم فى اتجاه تحقيق الهدف وهو «موت الملك» أو خنقه.