شهادة «أبوالسعد» المنشق عن الجماعة الملعونة: وصلنا لقناعة بسببهم أنه لا يوجد مكان آمن على الإطلاق حتى المسجد
شهادة «أبوالسعد» المنشق عن الجماعة الملعونة: وصلنا لقناعة بسببهم أنه لا يوجد مكان آمن على الإطلاق حتى المسجد
بحماس الطفولة ومغامرة المراهقة والشباب اختلط طارق أبوالسعد، المنشق عن جماعة الإخوان، بالجماعة الملعونة، كان تلميذاً فى المرحلة الابتدائية، المسجد أقرب إليه من أسرته، والصلاة نجواه التى كان يفرغ فيها غضبه وطاقته، داخل مسجد بلدته دمنهور بالبحيرة تعرف على الجماعة، البداية كانت مجموعات تقوية دراسية لطلبة المدارس خلال شهور الصيف، يتخللها من آن لآخر محاضرات ومسابقات وأنشطة دينية واجتماعية تجذب الأطفال وتثير حماسهم للاستمرار، هكذا تعلق طارق بهم، لم يُثر هذا التعلق حفيظة أحد.
من طفل عادي إلى «شبل إخواني»
مَن الذى يضيره أن يتردد ابنه على المسجد فى كل أوقات الفراغ؟.. هذا الاستنكار كان البداية التى قادت طارق بين يوم وليلة ليكون واحداً من «أشبال الإخوان»، وسط مجموعة من الأشبال من أعمار مختلفة بينهم طلبة فى الجامعات، ما كان يُشعره بميزة واختلاف حتى بين أبناء عائلته، فهو بالنسبة لهم، بكل تأكيد، ليس طفلاً عادياً.

التكوين الفكري داخل الجماعة
عرف طارق كل شىء عن الدين والدنيا من خلال الجماعة والمسجد، عرف السادات وكامب ديفيد، عرف السياسة والدولة، وتوطدت صلاته الاجتماعية بهم مع الاعتكاف سنوياً فى شهر رمضان. إنها أيام السحر كما يصفها، ففيها يسلم الشاب ذهنه كاملاً لمن يملأه بالأفكار والشعارات والكلمات.. لم ينقطع طارق عنهم منذ كان طالباً فى المرحلة الابتدائية سوى عام 1981، الفترة التى هدَّأت فيها الجماعة من نشاطها بسبب اغتيال السادات، لكنه سرعان ما عاد للتواصل معهم مجدداً حين عادوا إلى المسجد واستكملوا أنشطتهم الدعوية والدينية والاجتماعية، عام 1982.
من الأشبال إلى الأسرة التنظيمية
وقتها كان شاباً فى المرحلة الثانوية، يعتقد أنه أنضج وأكثر فهماً من ذى قبل، ومتحمساً للمشاركة والاستمرار، وبفاعلية أكثر من أى وقت مضى.. تدرَّج طارق فى المرحلة الثانوية من «الأشبال» إلى «الأسرة»، المفهوم الذى يتغير حسب موقعك منه، فعضو الإخوان يراها أسرة أقرب من أسرته البيولوجية، أما الخارج عن صفوفهم فيراها الخلية التنظيمية الأولى التى تجمع بين التلقى الدينى والعمل التنظيمى.. وبين المرحلتين عاش طارق صراعاً، يكفى أنه يصف حفظ القرآن وتعلم الدين بأنهما «طُعم لا طعام» وأنه وقتها كان صيداً يستقر فى قاع الشبكة.
السوشيال ميديا.. الآلية الجديدة للتجنيد
«التائب عن الذنب»، كما يصف نفسه، يرى فى رحلته من الشك لليقين دروساً، صحيح أن المسجد كان جزءاً من هذه الرحلة، وأن ضوابط وقيوداً فُرضت على المساجد تمنع الآن إفرازها للجماعات أو التيارات الفكرية على اختلافها، لكن الآلية نفسها ما زالت قائمة، فما يقوم به المسجد كمكان من تجميع الناس، أصبح متاحاً وبسهولة أكبر عبر السوشيال ميديا، بصفحات تقدم محتوى جاذباً حتى لو لم يكن دينياً مباشراً وصريحاً، مقدماً سؤالاً بسيطاً لمرتادى التواصل الاجتماعى بمختلف تطبيقاته: «كم من الصفحات التى تشاركها يومياً أو تتابعها وتحمل أسماء من عيِّنة إخوة فى الله، أسرة الرحمن، دليل الخير.. وغيرها من المسميات ذات الصلة؟».

تزييف التاريخ وصناعة القناعات
وقع أبوالسعد أسيراً لتزييف التاريخ واختلاق الحكايات التى لا تمت للتاريخ الإسلامى بصلة، صدَّقها. وقتها، لم يكن متاحاً البحث عن الشىء وإيجاد نتيجته فى غضون ثوانٍ، ورغم أن هذه التفاصيل لم تعد موجودة الآن بسبب تطور التكنولوجيا، لكن ثمة معضلة ستواجه هذا الجيل، يلخصها «أبوالسعد»: ستجد نتائج بحث كثيرة عن كل سؤال، الإجابة وعكسها، ولن تصل للحقيقة إلا بصعوبة وبجهد كبير، وهو ما لا يقدم عليه كثير من الشباب، يكتفون بإجابات الذكاء الاصطناعى على كارثيتها.
فى حضن الإخوان، مارس «أبوالسعد» السياسة، وتعرف على مفاهيم سأل نفسه كثيراً لِمَ الحاجة إلى فهمها، وهو الذاهب إلى المسجد للتعلم والتفقه فى الدين، لكنهم أقنعوه بأنها صلب الدين، فهم الدولة والهوية الوطنية والقومية والديمقراطية وطبيعة الحكم.. يتذكر جيداً وهو طفل فى المرحلة الثانوية أنه حين اندهش من شرح مفهوم الحكم فى درس دينى، فما كان من شيخه وقتها سوى أن قرأ عليه قوله تعالى «وما الحكم إلا لله»، لم يسعه وعيه وقتها سوى لهز رأسه علامة على الفهم وإدراك العلاقة.
أفكار تتسلل بهدوء إلى الوجدان
هذه المواقف هى التى ترسخ فى الوجدان وتتسلل بهدوء لتغير الشخص من مفكر إلى مردد، ولا يظهر أثرها الكامل إلا بمرور الوقت.. وهو ما حدث فى تجربته مع الإخوان، البدايات أو المظاهر الأولى لا توحى بالخطورة، ولا تؤدى بالضرورة إلى النهاية التى آل إليها التنظيم ولا علاقته به.