كيف اكتشف القيادي السابق بالإخوان زيف دعوة الجماعة؟.. سعى إلى الدين فتمسكوا بالدنيا

كتب: نرمين عفيفي

كيف اكتشف القيادي السابق بالإخوان زيف دعوة الجماعة؟.. سعى إلى الدين فتمسكوا بالدنيا

كيف اكتشف القيادي السابق بالإخوان زيف دعوة الجماعة؟.. سعى إلى الدين فتمسكوا بالدنيا

كانت دعوة طارق أبو السعد، المنشق عن الجماعة المحظورة للتوقف عن العمل السياسي والاكتفاء بالعمل الدعوي في أعقاب يناير-بعد تحقيق أكبر هدف من أهداف الجماعة- هو بداية الخلافات مع الأعضاء والقيادات، فالدعوة كانت مفاجئة بالنسبة لهم، وحيز الحرية الذي اتسع في المجتمع لقبول الإخوان أغراهم بالمزيد، بما ينافي فكرته التي طرحها والتي لم تلق قبولاً داخل الجماعة، خاصة في ظل حالة من الحماس السياسي التي كانت تمر بها في هذه الفترة.

محاكمات تنظيمية انتهت بالفصل

وأدى ذلك إلى تصاعد الخلافات بينه وبين الأطر التنظيمية المختلفة، تطورت إلى إجراءات تنظيمية بحقه، حيث خضع لعدد من التحقيقات الداخلية أو ما يشبه المحاكمات التنظيمية، نتيجة تمسكه بآرائه وعدم التراجع عنها، لتتخذ الجماعة قراراً بفصله، بعد إصراره على التعبير عن مواقفه داخل النقاشات الداخلية وعدم التراجع عنها، وهو ما اعتبره اللحظة التي انتهت فيها علاقته التنظيمية بالجماعة بشكل رسمي، فما كان يُطلق عليه داخل التنظيم محاكمة أو جلسة تحقيق لم تكن تتخذ شكلاً قضائياً تقليدياً، بل كانت تتم عبر لجنة مكوّنة من 3 أعضاء يمثلون مستويات تنظيمية مختلفة داخل الجماعة، من الشعبة والمنطقة والمحافظة، وغالباً ما يكونون جميعاً من أعضاء المكتب الإداري، فهذه الجلسات كانت تُدار بطريقة تجمع بين الادعاء والحكم في آن واحد، دون وجود طرف دفاع مستقل، إذ يُطلب من العضو محل التحقيق أن يدافع عن نفسه أمام الاتهامات الموجهة إليه مباشرة.

تجميد العضوية وحملات التشويه

تكررت الجلسات أكثر من مرة، حيث كان يُستدعى في كل مرة لمناقشة مواقفه وآرائه، قبل أن يصدر القرار النهائي في شهر أبريل، والذي تضمن تجميد عضويته داخل الجماعة إلى أجل غير مسمى، هذا القرار كان يعني عملياً إيقاف مشاركته في الأسر التربوية واللقاءات التنظيمية، مع تعميم داخلي يفيد بأنه لم يعد عضواً في الجماعة، وعدم التعامل مع ما يصدر عنه من آراء باعتبارها صادرة من داخلها، صاحب ذلك القرار بعض حملات التشويه أو ما يصفه بالاغتيال المعنوي داخل الدوائر التنظيمية، كانت محدودة في مرحلتها الأولى، قبل أن تتصاعد بشكل أكبر لاحقاً، خاصة بعد قراره المشاركة في 30 يونيو، وانخراطه في الإعلام وبدء الحديث علناً عن ما يعتبره مواطن خلل داخل التنظيم.

طارق أبو السعد

مراجعات من داخل الإخوان

يصف الفترة من 2011 - 2013 بأنها مرحلة مراجعة فكرية داخل الإطار التنظيمي نفسه، موضحاً أن هذه المراجعة لم تكن قطيعة كاملة مع الأفكار السابقة، بل كانت محاولة للبحث عن حلول أو مخارج داخل بنية الجماعة، دون الوصول إلى إدانة حادة لها في تلك المرحلة، ويضيف أن هذه الحالة كانت، من وجهة نظره، مرتبطة بقدر من الانتماء العاطفي والتنظيمي، حيث كان يجد صعوبة في تبني موقف قاطع ضد التجربة التي عاشها لسنوات طويلة، وهو ما جعله يصف تلك المرحلة بأنها مراجعة من داخل الإخوان أكثر من كونها نقداً خارجياً كاملاً.

التحرر من العقل التنظيمي

بدأ التحول الحقيقي عندما تحرّر من الإطار التنظيمي، وبدأ في البحث عن المعلومات وتحليلها بعقله الشخصي دون الاعتماد على التوجيهات التنظيمية، حسب تعبيره، أخطر ما في التجربة هو التحول من التفكير الفردي إلى التفكير الجماعي الموجه، حيث يصبح الفرد ناقلاً لأفكار الجماعة، لا منتجاً لأفكاره الخاصة، عاش فترة طويلة يتبنى فيها مواقف جاهزة تُطرح عليه من أعلى التنظيم، ثم يعيد ترديدها في النقاشات العامة، لتأتي مرحلة ما بعد خروجه من الإطار التنظيمي نقطة تحول أساسية، إذ بدأ في بناء رؤيته الخاصة بعيداً عن التأثير الجماعي المباشر، وهو ما قاده إلى مراجعات فكرية انتهت إلى القناعات التي طرحها.

كتاب غيّر مسار المراجعة

بعد 30 عاماً من الانتماء، بدأ رحلة بحث عن الذات وإعادة فحص للأفكار التي كان يؤمن بها طوال تلك السنوات، في تلك المرحلة التقى بأحد القيادات الإخوانية السابقة، ويدعى محسن القوي، أهداه كتاباً بعنوان «قلب الإخوان»، ووجد الكتاب مليئاً بإجابات لعدد من الأسئلة التي كانت تشغله في تلك المرحلة، لدرجة أنه قرأه كاملاً في ليلة واحدة.

تواصل فكري مع ثروت الخرباوي

وفي صباح اليوم التالي مباشرة حاول الوصول إلى مؤلفه ثروت الخرباوي، أجرى معه اتصالاً مباشراً، تحدث فيه عن قراءته للكتاب، وهو ما شكّل بداية تواصل فكري بينهما في تلك المرحلة، واستمر في التواصل مع الكاتب لفترة امتدت قرابة شهرين، حيث كانا يجريان نقاشات يومية عبر الهاتف لمدة ساعة أو أكثر، رغم المسافة بين القاهرة ودمنهور، تعامل معه بهدوء وساعده على تجاوز حالة التشوش الفكري التي كان يعيشها، وعلى تبني منهج مختلف في التفكير، قائم على مقارنة الأفكار بالواقع، وفحص الممارسة مقابل الخطاب النظري، ليعيد قراءة تجربته السابقة بشكل أعمق.

.

لا مكان آمن على الإطلاق

الغريب أن «أبوالسعد» لم يشعر بالندم بعد كل هذا، لم يحزن على الـ30 عاماً التى مضت من عمره، حتى عندما فطن إلى حقيقة ما كان ينتمي إليه، يعتبر الأمر برمته تجربة، منحته فرصة فهم تفاصيلهم من الداخل، منحته قدرة على البدء من جديد، ليس في صفوفهم ولا في صفوف الدعوة للانضمام إليهم، لكن في صفوف أخرى تفضح ممارساتهم وتقدم النصيحة لمن يقع في الشباك مثلما وقع فيها.

يحمل «أبوالسعد» الكثير ليقدمه، لم يكن متروكاً من أسرته لينوه إلى دور الأسرة، لكنه لفت النظر إلى جانب مهم، لا يوجد مكان أمان بطبيعته، لقد تم اختراقه من المسجد، فهل يوجد مكان أكثر أماناً منه؟ إن دور الأسرة الذي ينوه إليه «أبوالسعد» ليس مراقبة الأبناء ولا تعقب خطواتهم، لكن الاقتراب من كل التفاصيل، لا تسمح الأسرة لأحد بأخذ مكانها، والمسجد له وقت، والمقهى له وقت، وكلاهما مهم للشباب في مراحل حياتهم، والتديّن ليس له مظهر لأنه نتاج علاقة الإنسان بخالقه، وهي علاقة لا يراها سوى طرفيها.

رواية التجربة كرسالة توعية

يسير «أبوالسعد» بين الناس بحكايته، يرويها دون طلب، ويُسهب في أدق تفاصيلها، ويحولها إلى دروس وعبرات لأبنائه ومحيطه الأسري أولاً، وكل الدوائر التي تتسع حولهم، لا يوجد مكان سيئ بذاته، المهم هو الممارسات التي تتم فيه، ولا يوجد تنظيم سري مشروع، المشروع يتم فى العلن.

مجموعة ثوابت يتحرك بها «أبوالسعد» بين الناس كمعلومات أساسية تناسب البسطاء من أهالي القرية، لكن هذا ليس كافياً.

الخوف من التسلل لا العودة

يرى «أبوالسعد» أن مشروعاً قومياً للتحصين لا بد أن ينطلق في كل ربوع مصر، مستخدماً سُبل الاختراق التقليدية والمستحدثة بسبب السوشيال ميديا والتكنولوجيا، وليس ضد فكر الإخوان فحسب، بل ضد أي فكر لتنظيم سري، لا يخشى «أبوالسعد» العودة التنظيمية، فهي مستبعدة عن هيكل الإخوان بعد انهيارهم، يخشى التسلل الاجتماعي التدريجي، إعادة تشكيل بطيئة للوعي العام، تتم تحت أستار مختلفة، وبخطاب جديد، لكنه يحمل في جوهره الهدف ذاته بإعادة الاندماج داخل المجتمع من جديد، وهو ما يحاولونه بحصار كل الخارجين عنهم وملاحقتهم، على الأقل عبر السوشيال ميديا من خلال لجان محترفة.