الذين ينتهكون حرمة الموتى
رغم تحقّق بعض الفوائد المعرفية التي تحقّقها وسائل التواصل الاجتماعى، فإن مساوئ وسلبيات كثيرة قد تصل إلى درجة الجرائم تُرتكب عبرها، ولا يلتفت إليها ولا يدرك أحد -مع الأسف- وقع سلبياتها على المجتمع، المحاط بتحديات لا حصر لها تُهدد أخلاقياته وقيمه وإنسانيته ومبادئه التي تشكلت عبر آلاف السنين، وصنعت منه هذا التميّز والتفرّد والزخم، وهو ما يستوجب منا جميعاً وقفة جادة وتلاحماً وتضامناً للحيلولة دون أن يفقد هذا الوطن أجمل صفاته. الخطير في أمر وسائل التواصل الاجتماعى أنها كثيراً ما تبث سمومها في غطاء من الأخلاق أو الدين أو القيم. طالت هذه السموم أموراً كثيرة، لم ينجُ منها شىء حتى الموت!
للموت عندنا في مصر قدسية عظيمة، ربما سبقت الأديان الثلاثة، وهذه القدسية تتّسق مع ما تركه أجدادنا من المصريين القدماء من آثار ومقابر ومعابد، كانت للموت فيها مكانة مُهابة، وقد تجسّدت في نحو 138 هرماً، أشهرها أهرامات الجيزة، وسقارة ودهشور وأبوصير وغيرها، وكلها في النهاية مقابر لملوك وحكام من الأسر المتعاقبة في مصر القديمة، كما تبارى قدماء المصريين في بناء مقابر لا مثيل لها في العالم، تزخر بها مدن الصعيد، خصوصاً وادى الملوك بمدينة الأقصر، والتي يقصدها الملايين من السياح.
تطورت مظاهر تقديس الموت عند المصريين حتى عصرنا هذا، وتجسّدت في العبارة الشائعة (حرمة الموت)، حتى لو كان المتوفي ظالماً أو خطاءً أو سيئ السلوك، فإننا نتخلق بخلق الدين ولا نذكر الميت بسوء، ونتّخذ من توجيه الرسول الكريم، صلى الله عليه وسلم (اذكروا محاسن موتاكم وكفوا عن مساوئهم)، والدعاء للمتوفي والاستغفار له وستر عيوبه.
في مصر ومنذ سنوات عديدة انتشرت ظاهرة المتبرعين بتغسيل الموتى، بعد أن كانت مهنة تقتصر على العاملين بها، وهؤلاء المتطوعون غالباً لا يتقاضون أجراً، فهم متطوعون من أجل وجه الله تعالى، ومن المفترض أن أول ما يتصف به هؤلاء هو احترام قدسية الموت، والحفاظ على الأمانة التي منَّ الله عليهم بها وبتمكينهم منها دون غيرهم، لكن البعض ممن وصفوا أنفسهم بالمتطوعين استغل مشاعر الناس، وربما خشيتهم من هذا المجهول، الذى أراد الله سبحانه وتعالى أن يكون الأمر بيده وحده، فجعل كل ما يلقاه الإنسان بعد انتقاله للدار الآخرة هو أمر لا يملكه ولا يعرف كنهه سواه.
لكن هؤلاء ومعهم بعض القنوات الفضائية ومواقع التواصل الاجتماعى استغلوا الأمر ليصبح مادة للحديث والانتشار وكشف العورات، وقد ظهرت تحديداً سيدة انتشرت بشكل غريب في البرامج التليفزيونية والقنوات الفضائية ومواقع التواصل الاجتماعى توزّع الرحمات وتوزّع اللعنات وتتنبأ بالجنة وتقسم أنها رأت العلامات، وتتنبأ بالجحيم وتؤكد أنها تأكدت من الأهل من سوء حياة المتوفاة، ولا تتورع أن تقول إن هذه وجهها مضيئ وتلك وجهها مسود، لأنها لم تكن محجبة في الدنيا، وأقسمت أن أخرى هاجم جسدها جحافل من النمل، وتلك رائحتها كريهة، وفي كل هذا لا تنسى أن تقول إنها لن تذكر أسماء حتى لا تفشى سراً!
هي تفتئت على الله الذي بيده الأمر وبيده العفو والرحمة وبيده كل شىء، لكن السؤال من دفع بهذه السيدة الكريهة لتطاردنا أينما فتحنا قناة أو وسيلة تواصل؟ وأى شىء يريدون أن يوصله مستضيفوها لنا؟ ومن أعطاها الحق للتمادى في انتهاك حرمات الموتى؟ فهذه السيدة إما أنها تكذب وتلك جريمة، أو أنها تصدق وتلك جريمة أكبر لأنها تُفشى كل ما هو كريه. وهى في كل ما تفعل ليست المذنبة الوحيدة في هذا الأمر، لكن كل من ساعدها على الظهور، وروج لما تقول فهو شريك لها، وأعتقد أنها لا تقل سوءاً عمن تم تجريمهم في إساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعى، فهل تنقذنا الجهات المعنية من هذه البشاعة؟ فمتاعب الحياة لا ينقصها أمثال تلك السيدة.