جراحة الصرع!

خالد منتصر

خالد منتصر

كاتب صحفي

سألني صديق يعاني ابنه البالغ من العمر 25 عاماً من مرض الصرع، وهو يعيش مأساة بمعنى الكلمة، فالابن مقدم على عمل، وينزل الشارع ويعبر الطريق، ويتعامل مع التاكسيات.. إلخ، وهذا المرض يجعل الأهل في حالة رعب وقلق، أن تهاجمه النوبة وهو في الشارع مثلاً، فتحدث حادثة لا قدر الله، وقس على هذا تفاصيل أخرى كثيرة في الحياة.

سألني: هل أستطيع أن أجري جراحة لابني وأتخلص من هذا الهم الكارثي؟، بالطبع عندما يسمع مريض الصرع أو أسرته كلمة «جراحة»، يتصور كثيرون أنها آخر الحلول أو أنها إجراء خطير لا يُلجأ إليه إلا في الحالات المستعصية جداً، لكن المفاجأة أن الطب الحديث ينظر إلى جراحة الصرع بطريقة مختلفة؛ ففي بعض الحالات قد تكون الجراحة هي العلاج الأكثر فاعلية والأقرب إلى الشفاء الكامل من النوبات.

القاعدة الأساسية التي يعتمد عليها أطباء الصرع هى أنه إذا استمرت النوبات رغم استخدام دواءين مناسبين بجرعات صحيحة وتحت إشراف طبي، فإن فرص السيطرة الكاملة على الصرع بإضافة المزيد من الأدوية تصبح أقل بكثير، هنا يجب التفكير في تقييم المريض داخل وحدة متخصصة للصرع لمعرفة ما إذا كان مرشحاً للجراحة أم لا، فالمسألة ليست بتلك البساطة، لا تصلح الجراحة لكل المرضى، لكنها تكون أكثر نجاحاً عندما توجد بؤرة محددة في الدماغ تنطلق منها النوبات، ويمكن اكتشاف هذه البؤرة من خلال الرنين المغناطيسى ورسم المخ المطول بالفيديو، وأحياناً باستخدام فحوص متقدمة مثل PET Scan.

فإذا أظهرت الفحوص أن جميع النوبات تنشأ من منطقة واحدة يمكن استئصالها بأمان دون التأثير على الوظائف الحيوية المهمة، وأكرر مرة أخرى بكل وضوح، دون التأثير على مناطق حيوية، تصبح الجراحة خياراً مطروحاً، ومن العلامات التي تستدعى التقييم الجراحى، تكرار نوبات فقدان الوعى أو السرحان المتكرر رغم العلاج، أو حدوث إصابات بسبب النوبات، أو تأثيرها الشديد على الدراسة والعمل والحياة الاجتماعية، كما أن وجود ندبة أو تلف قديم في المخ متوافق مع بؤرة صرعية في رسم المخ يزيد من احتمال الاستفادة من الجراحة.

ولا تعني الجراحة دائماً استئصال جزء كبير من المخ؛ فهناك اليوم تقنيات متنوعة تشمل الاستئصال المحدود للبؤرة أو وسائل التحفيز العصبى مثل تحفيز العصب الحائر، والهدف في النهاية ليس إجراء عملية جراحية بحد ذاته، بل منح المريض فرصة حقيقية لتقليل النوبات بصورة كبيرة واستعادة حياة أكثر استقلالاً وأماناً، لذلك فإن السؤال الصحيح ليس: «هل الجراحة مخيفة؟» بل: «هل تم تقييم المريض في مركز متخصص لمعرفة ما إذا كان مرشحاً لها؟»، فالتقييم المبكر قد يفتح باباً لعلاج يغير حياة المريض بالكامل، لذلك فإن تقييم الطبيب بمنتهى الحرص والوسوسة مهم.