من الشك إلى اليقين.. العائدون من قبور الإخوان.. عبدالمعطي رجب: في الحبس الاحتياطي أيقنت كذب «الإخوان» وعرفت نزاهة القضاء.. و«الداخلية» لم تلفّق تهما لي ولم أحاسَب على شيء لم أرتكبه
من الشك إلى اليقين.. العائدون من قبور الإخوان.. عبدالمعطي رجب: في الحبس الاحتياطي أيقنت كذب «الإخوان» وعرفت نزاهة القضاء.. و«الداخلية» لم تلفّق تهما لي ولم أحاسَب على شيء لم أرتكبه
بصفحة حالة جنائية بيضاء ناصعة خرج للمجتمع، يفخر أن يديه لم تتلوث بدماء ولم تحمل سلاحاً، لكنه يندم على ما طاله من تلوث التصق بعقله لسنوات، وكلما طاله الزهو بأنه انتبه للمخطط وفاق من الخديعة في الوقت المناسب، ردت عليه نفسه باللوم «لكنك وقعت في فخ ما كان لك أن تقع به أبداً، وأنت طالب العلوم المتفوق الذي لا يؤمن إلا بالمنطق ونتائجه والحقائق وما يدل عليها»، وبين الزهو واللوم يتراوح يومه في عمله الجديد الذي التحق به، بعد أن أنهى علاقته نهائياً بالتنظيم، وعاد مواطناً صالحاً يقاوم الانتهازية بكل صورها، تلك التي عاشها وشهد عليها في أيامه داخل «قبر الجماعة».
11 عاماً كاملة من الحرية والعودة إلى الحياة، يحتفل عبدالمعطي أحمد رجب سنوياً وبالتحديد في 30 يونيو من كل عام بأنه استرد وعيه، لم يكن يصدق ما يقوله البعض أنهم خاضوا تجربة الموت والعودة منه، لكنه الآن يقدم تجربته مثلهم، يضحك كثيراً وهو يتحدث عن هذه الفترة بتعبير أصبح يروق للجميع استخدامه «لما كنت ميت»، في إشارة إلى سنواته داخل التنظيم، ورغم أن النجاة كُتبت له بعد 30 يونيو، لكنه يرد الفضل لأهله ويحتفل مع ملايين المصريين في هذا اليوم بالنجاة، كونه عاد من الموت بسبب هذه الثورة وأحداثها التي جعلت الكل يفيق من سُباته العميق.
من قرية بالشرقية إلى التنظيم.. كيف بدأت الرحلة؟
في قرية بالشرقية أصغر من أن ينتبه أفرادها للسياسة عاش رجب سنوات طفولته، سار معهم الطريق المار بالمسجد ولم يختر شيئاً بعده، فهو مثل قضبان القطار يسير بصاحبه دون إرادة منه، وقوده في هذه السنوات الشحن العاطفي والحماسة الدينية والشعور بالاختلاف، استمر هذا الوضع حتى المرحلة الجامعية في كلية العلوم، يواجه الانتقاد الذي يقابله دوماً والسؤال الاستنكاري «خريج علوم وتقع الوقعة دي؟» لأن للجماعة طريقة برمجة تحول أعضاءها إلى آلات تستجيب فحسب، ثم يستشهد بالمثال «لو أسد تربى في وسط النعاج ماذا تنتظر منه؟.. هيمأمأ زيهم».
العائد من الموت في قبور التنظيم: اتهاموني بـ«السفسطة» لأنني أسأل وبـ«الجهل» لأنني أقرأ
أصعب ما واجه «عبدالمعطي» في سنواته داخل الجماعة طفلاً والتنظيم رجلاً هو التفكير، أنهم يقاومون كل من يفكر، يرفضون كل من يقرأ، يعتبرون الأول «سفسطائياً» والثاني «فاضي مالوش غير في القراية» وكأنها تُهمة أو خطيئة، وكلما أقدم على أحدهما؛ التفكير والنقاش، تنهال عليه الاتهامات وتضييق الخناق، بل إنه يوضع بحسبه في خانة «هؤلاء لن يتم الاعتماد عليهم أو تصعيدهم». هنا أصيب عقله بالتشتت، فما يفعله المفترض أن يُزيد مكانته في الجماعة ويحسّن من فرصه القيادية في التنظيم، لكنه اكتشف العكس تماماً، وأن كل لحظة تفكير تُعتبر بالنسبة لهم محاولة يائسة من أسد أن يستعيد طبيعته ويقاوم «النعاج».
داخل الأسر التربوية مارس «عبدالمعطي» هوايته في الأسئلة والبحث، والحقيقة أنها كانت بإيمان كامل بهم وقناعة باحتياج المصريين لهذه الجماعة، لكن مع إجابات صادمة من عيّنة «أنت ما وركش غير الكلام»، كان الأمر ينتهي بالرضوخ والموافقة والتنفيذ، ومع الرفض البسيط أو محاولة الاعتراض، كانت الأسر تستعين بمستوى آخر أكبر إما من شيوخ الجماعة أو من كبار التنظيم، يجلسون إليهم في لقاءات تسمى في أدبياتهم «وضوح الرؤية»، لمزيد من السيطرة على الأعضاء وخاصة الأشبال.. لم يلتقِ «عبدالمعطي» بكثير من الكبار، بل إن الكبار الذين هم قيادات مكتب الإرشاد لم يكن ليزوروا قرية بسيطة داخل مركز في محافظة الشرقية، القرى دوماً يدفعون لها بالقيادات التاريخية أو ما وصفه رجب بأنهم شيوخ لهم ثقلهم لدى أهل القرى، وقتها داومت الأسرة على تنظيم لقاءات مع الشيخ عبدالرحمن الرصد، القيادي التاريخي المنتسب للرعيل الأول من الجماعة، أيضاً الشيخ علي نويتو، واللذين كانا يتحدثان دوماً عن تضحيات الجماعة من أجل الدعوة، والمفروض على أجيال الشباب العمل من أجل التنظيم. كانت اللقاءات الدافعة والمحركة والمحمسة للشباب على الاشتراك في كل شيء مع الإخوان، يتذكر «عبدالمعطي» أنه شارك في كل شيء، مظاهرات واحتفالات ودعوات ومحاولات تجنيد وكل أعمال الانتخابات سواء البرلمانية أو الرئاسية أو تعديلات الدستور، كل ما كانت تأمره به الجماعة كان ينفذه سمعاً وطاعة، صحيح أنها مشاركات بلا أدوار واضحة أو موزعة، لكن الحشد والوجود كان دورهم الرئيسي، فالجماعة لا بد أن تظهر في مظهر القوة بشعبها وجيشها الذي يدافع عنها.. هكذا كان اعتقاده وقتها.
التجنيد يبدأ بمحاضرات عبدالرحمن الرصد.. وإما تحمل السلاح معهم أو تُصنَّف في ذيل الأسرة
لم يكن السجن في حياة «رجب» تجربة صعبة، وصل به الحال أنه شكر السجن والظروف التي أدت به إليه، ففيه استطاع أن يلتقط أنفاسه ويشغل من جديد آلة كانت تعطلت في رأسه، عادت الأسئلة تقفز من جديد وتتفاعل مع مشاعره وما تراه عيناه من حقائق يغلفها التنظيم بشعارات تغير من هويتها، تجربته كانت السجن احتياطياً على ذمة تحقيقات، في اتهامات وجهت إليه ولم يثبت تورطه فيها، فكانت البراءة نتيجتها، وهو ما جعله يتوقف لبرهة مع نفسه، ويعيد ترتيب الجمل والشعارات «الدولة ليست كافرة، والقضاء ها هو عادل، ولا توجد نية للنيل من أي مواطن لمجرد أنه يملك معتقداً»، اكتشف أن القضاء يحاسب على الجريمة وليس على الانتماء للإخوان مثلما صوروا له، قبل أن تصبح الجماعة تنظيماً إرهابياً ويجرم الانتماء له أو العمل معه، اكتشف أيضاً أن التحقيقات تجرى بنزاهة، وأنه طالما لم يفعل شيئاً ولم يثبت عليه شيء فلن يدان ولن تلفق له التهم مثلما أقنعوه.. اكتشف كثيراً من الحقائق التي ابتعد عنها يوم أن وضع عقله في «ورقة سوليفان» وسلّمه لقيادات الإخوان.

تعرض للحبس مرتين بين عامي «2015-2017».. وثبتت براءته لأنه لم يتورط في حمل السلاح ولا أعمال العنف ضد المواطنين
كانت طبيعته الرافضة للدماء جزءاً من طوق نجاته، في اعتصام رابعة والأحداث التي اشتعلت بعدها كان «رجب» يقف في الصفوف الخلفية، لا يجيد الشجار بالعصا ولا حمل السلاح، حتى الطوب لم يكن يجيد التصويب به أو استخدامه في الاعتداء على أحد، هذه الطبيعة جعلته صفاً ثانياً أو ثالثاً في اعتمادية التنظيم خلال الاعتصام، صدّروا في الصفوف الأولى من يستطيع حمل السلاح والضرب والشجار وقطع الطريق وضرب الشماريخ وإحراق الكاوتش، فيما وقف هو بعيداً يهتف كما يهتفون، المفارقة أن يتم القبض عليه في يونيو 2014 في إحدى المظاهرات ويقضي عاماً إلا قليلاً في الحبس الاحتياطي قبل أن يحصل على البراءة في 2015، وخلال شهور الاحتياطي في السجن، رأى التنظيم كما لم يره من قبل.. خطأ أصيل ارتكبه «رجب» أنه اكتفى بالابتعاد عن التنظيم ولم يعلن موقفه أو خروجه منه نهائياً، وهو ما دفعهم للتردد عليه ومحاولة استقطابه ثانية بعد براءته في 2015، ليفاجأ بأنهم يورطونه مجدداً معهم، ويتم القبض عليه ثانية في أواخر 2017 ويُحبس احتياطياً 6 أشهر أخرى ليتم الإفراج عنه نهائياً ببراءة ثانية كونه لم يفعل ما يُدان به.. ومن وقتها وهو يجهر بما يعتقد، وأوله أن الإخوان جماعة وتنظيم «ضلال» ليس أكثر، وأن التكافل الذي يحيطون به الأشخاص مجرد طعم للاصطياد وإحكام القبضة وحشد المريدين لتكوين شعب يباهون به في الانتخابات ويستخدمونه حائط صد في المواجهات.
عام حكم «مرسي».. بداية الأسئلة التي هدمت اليقين
في السجن، حيث اختباره الأصعب ونقطة تحوله العبقرية كما يصفها، ينعزل المرء مع نفسه كثيراً، في وحدته داخل ظلام السجن يرى نوراً يشق الطريق له وحده، يحرر عقله من كل ما التصق به من ثوابت، راجع «رجب» في شهور السجن الموزعة على عامين كل مواقفه ومر أمامه شريط حياته كاملاً، كان يقارن بين ما يعتقد وما يحدث على أرض الواقع، البدايات لا تفضي إلى هذه النتائج، وما تحدث عنه التنظيم كثيراً من أفكار حول المشروع الإسلامي وإدارة الدولة وأنظمة الحكم، فشل على يد محمد مرسي بطريقة توقف أمامها عاجزاً عن التبرير، ففي عام حكم التنظيم من خلال «مرسي»، واجه شباب الجماعة كثيراً من الأزمات، ودخلوا في صدامات مع الجميع؛ الناس والمؤسسات والقضاة، لم يكن له دور في هذا العام سوى تنفيذ أمر واحد بصيغات مختلفة «تظاهروا لدعم مرسي»، كان الأمر يأتيهم بطريقة تناسب حالة عدم الرضا التي يشعر بها الشباب تجاه أداء الرئيس الإخواني، لم يكن نصرة لشخصه، كان التكليف بصيغة قبلية «استحالة الريس بتاعنا يسقط، ده شرعيتنا وممثلنا حتى لو أخطأ».
هذه المرحلة كان الإخوان يمرون بحالة من الزهو، بدأت في أعقاب 2011 واستمرت حتى استقروا في حكم مصر، هذا الغرور جعلهم يعتقدون -بحسب «رجب»- أنهم امتلكوا مصر، وأنها أصبحت «بتاعتهم»، لدرجة أن القيادات بدأت ترسم للشباب السيناريو الأكبر، وأن الخطوة القادمة ستكون التمكن من سوريا، ثم العودة لتونس، والفرصة التي تتزايد في ليبيا.. كلها كانت أحلاماً صار الإخوان يتعاملون معها باعتبارها حقائق مؤكدة وآتية لا محالة، لكن، وبحسب «رجب»، لم يستمر الزهو كثيراً، إذ خفتت حدة الخطابات الثورية التي بدأ بها «مرسي» مرحلته، وبدأت المهازل والمواجهات والخطابات الهزلية، يتذكر أنه لحين انقطاعه عن الجماعة لم يجبه أحد عن سؤال: من المسؤول عن إلغاء الإعلان الدستوري؟.. ففي نظره هي بداية السقوط أولاً في أعين شباب الجماعة قبل أن يكون في أعين من انتخبوه من المصريين العاديين.. وقتها كان دوره، رغم اعتراضه، هو التظاهر أمام المحكمة الدستورية العليا، وإحباط أي صوت ينال من قدر الرئيس الإخواني، كانت القيادات تشعل الحرائق -بحسبه- باتخاذ القرارات التي تثير حفيظة الشعب وتتعارض مع كل ما هو منطقي وقانوني ومتعارف عليه، وكان شباب الإخوان هم من يدفعون الثمن بمواجهات فُرضت عليهم وهم تحت وطأة سحر التنظيم واستلاب الإرادة، خاصة أن المرشح الذي وصل للحكم لم يكن الاسم الأول والمفضل لدى الشباب، كان عبدالمنعم أبوالفتوح هو الأفضل على الإطلاق بالنسبة لهم قبل أن يُفصل من التنظيم لأنه خالف قراراتهم وقرر الترشح دون موافقتهم، وبحسب «رجب» لم يكن بين القيادات المعروفة وقتها سوى أسطورة واحدة تهيمن سيرته على الشباب وهو خيرت الشاطر، إذ كان معروفاً في أوساط الأسر والشُعب، خاصة في المحافظات، بأنه صاحب مشروع النهضة، ورغم أن «رجب» ورفاقه لم يعرفوا عن هذا المشروع سوى شعاراته التي هتفوا بها، وكلما سأل عنه رد عليه شيوخه وقياداته بأن المشروع كاملاً في الكتب، إذاً أين الكتب؟.. لا توجد كتب، فيعود أدراجه إلى مهامه الطبيعية.
لا يدعي «رجب» عدم وعيه بالفارق بين الدولة والتنظيم، يعرف حدود كل منهما، لكن على أرض الواقع لا يستطيع عضو الجماعة التفرقة بينهما، توجد حالة تماهٍ مع فكرة أن الجماعة هي الدولة والتنظيم هو الحكم، لا يحاكم «رجب» ماضيه، يعتز بكل لحظات سقوطه وضعفه وغفلته، يقول بملء فيه: «هذا أنا، وهذه تجربتي، أتبرأ منها علناً كما آمنت بها علناً»، وهدفه في هذا هو إنارة طريق معتم لدى البعض، وتوعية من قد يغلف عقله ويشوشه بأفكار لم يعمل عليها المنطق والعقل، لم يدفن «رجب» رأسه في الرمل، بل قرر المواجهة والاعتراف.
يتذكر «رجب» فترة من أصعب فتراته في قبور الإخوان، تلك التي شهدت بوادر 30 يونيو، وخاصة في القرى والمحافظات، حيث أطلقت الجماعة نفيراً عاماً تطالب فيه كل أعضائها بالتمركز حول المقرات وحمايتها بالروح والدم، مقار مكتب الإرشاد ومقار حزب الحرية والعدالة في كل محافظة، لم يكن وقتها صاحب قراره، بل مجرد منفذ للتعليمات التي تأتيه من مسؤول الأسرة في القرية، وبدوره ينقلها لشباب المرحلة الثانوية الذين جندهم في الأسرة، يومها صنفته الجماعة بالمتخاذل حين أعلن أنه لا يجيد إشعال الشماريخ ولا حمل الشوم ولا ضرب العصا، شاهد الشباب يفعلون هذا ووقف عاجزاً عن مجاراتهم، وهو الأمر الذي لم ينسه قيادات الجماعة داخل السجن، وتسبب في ملاحقتهم له وضغوطهم عليه، إذ اكتشف أنهم يريدون تحويل السجن لأسرة صغيرة وشعب، كل زنزانة تمثل شعبة لها قيادة وتدرج، وهو ما اعتبره أقصى درجات شهوة الحكم والسيطرة، حيث لم تخل فترة السجن من خلافات بين القيادات المسجونة حول مَن له حق القيادة والهيمنة على أعضاء التنظيم المسجونين معه، وهو ما كان أحد أسباب الصحوة لدى «رجب» وعدد من رفاقه، حيث رفضوا إدارة الإخوان لهم في السجون بعد الفشل الذي أحرزوه في إدارة الجماعة كجزء والبلد ككل.

ثورة «30 يونيو» التي استردت خريج كلية العلوم: سألت نفسي هل كان عناصر جماعة الإخوان سيتظاهرون لدعم شرعية أي رئيس غير محمد مرسي؟.. والإجابة كانت سبب خروجي من «التنظيم»
حين خلا «رجب» إلى نفسه داخل الزنزانة نظر حوله بتمعن، الجدران الباردة والظلام الدامس والوجوه التي لا يميزها بعد غروب الشمس دفعته للحديث مع نفسه «ليه أنا هنا.. في سبيل ماذا أو في سبيل من؟».. كانت الإجابة صعبة وعصية، لكنها لم تكن أصعب من إجابته عن هذا السؤال: «لو لم يكن محمد مرسي هو اللي في الحكم وكان يوجد أي من الـ11 مرشحاً، وثار الشعب ضده، ماذا كانت موقف جماعة الإخوان؟».. هل سينتصر الإخوان لشرعية الحاكم أياً كان انتماؤه؟، وأمام الإجابة التي استخلصها بنفسه كان قراره بأنه هذا فراق أبدي بينه وبينهم.. قالها بثبات لأنه كان يعرف تاريخهم جيداً، فهو العضو «اللي مش فالح غير في القراية»، والذي توقف كثيراً عند التاريخ الانتقائي الذي كان يفرض عليهم، ليكتشف بنفسه أن كل ما قرأه من تاريخ الإخوان مدلس أو موضوع أو يصدر صورة ذهنية بعينها منافية للحقيقة، تفيد بأنهم قدموا تضحيات وخاضوا محنًا، وحين يسأل: ما أسباب التضحيات، وما مظاهر هذه المحن؟ لا يسمع سوى الصمت صوتاً.
سؤال أحمد البيلي.. المواجهة التي انتهت بالطرد
داخل الزنزانة، قضى «رجب» عزلته وسط 30 مسجوناً إخوانياً آخرين، ممن كونوا أسرة جديدة داخل محبسه، قراره بالابتعاد عنهم لم يكن سهلاً ولا يسيراً، رفض أن يشاركهم جلسات حفظ القرآن أو المناقشات والاجتماعات التي كانوا يحاولون إضفاء الصبغة التنظيمية عليها، كان يندهش من جرأتهم وتحديهم للمنطق، ينزوي في مساحة لا تكفي طفلاً ينام ويقرأ ولا يتواصل معهم مطلقاً، لكنهم لم يتركوه وشأنه، حاولوا معه بشتى الطرق، لدرجة أنهم فرضوا عليه وعلى الآخرين حضور ندوة تعتبر من أعجب ما سمع عنه من ندوات، إذ قرروا استقدام قيادي إخواني وهو عضو بمجلس شورى الجماعة، مسجون في زنزانة أخرى لإعطاء محاضرة عن الثبات على العمل الدعوي وأهداف التنظيم، وأمام الجرأة قرر «رجب» أن يواجههم جميعاً، فحضر الندوة التي استقدموا لها أحمد البيلي والذي عين في عهد «مرسي» محافظاً للغربية، وسأله «رجب» سؤالاً مباغتاً عن مؤهلاته التي دفعت «مرسي» للاستعانة به محافظاً وهو الصيدلي الذي لم يتول منصباً إدارياً خلال سنوات حياته يؤهله لإدارة وحدة محلية وليس محافظة بالكامل؟.. وهو ما استقبله مسجنو الجماعة بأنه محاولة للغو نتج عنها طرده من الاجتماع، وتصنيفه بأنه «باع نفسه للأمن» بل ومطالبات بأن ينتقل لزنزانة أخرى لا يتسنى له فيها الاختلاط بالإخوان طالما ابتعد عن أفكارهم ومنهجهم، وهو ما سعى إليه بالفعل.
«قوم اتوضأ وصلي ركعتين».. حين أصبح التفكير تهمة
أسوأ ما واجهه «رجب» في رحلته مع الجماعة والتنظيم هو محاولته تصويره بأنه أصابه مس من جنون، أو أنه فقد إيمانه وعقله، كلما حاول التحدث معهم بالمنطق والعقل وتوضيح أزمة الجماعة وشرح مسببات قراره بالابتعاد عنهم، ينتهي الحوار بنصيحة غريبة: «قوم اتوضأ وصلّى ركعتين لله إنه يعفو عنك وينجيك مما أصابك»، وهو ما كان يثير حفيظة «رجب» أكثر، فهم لا يجيبون عن الأسئلة ولا يعتبرون للنقاش العقلي، كل ما يخالفهم إما مجنون أو مجند من قِبل الأمن.
اعترف «رجب» بذنبه العظيم لأمه، كان مديناً لها بالاعتذار، لأنه لم يستمع لصوتها وهي تنصحه بالبعد عن الجماعة الملعونة، لكنه قرر أن يهب كل وقته للتكفير عن هذا الذنب وتوعية كل من سقطت قدماه في وحل التنظيم، يفخر بأن يديه لم تتلوّثا كثيراً، وأنه كان مسؤولاً عن تجنيد شباب ثانوي، فقبل أن يبدأ هؤلاء فهم الإخوان والاندماج فيهم، قامت ثورة يونيو وأزالت ذكرهم من وجدان المصريين، فعاد الشباب أدراجهم مواطنين عاديين لا يحملون مشروعاً ولا ينتمون لجماعة أو تنظيم، وهو الأمر الذي يتكئ عليه في توضيح رحلته مع الجماعة ثم التنظيم، وهو أنه لا يوجد هذا النموذج في أي دولة في العالم، وأكثر الدول ديمقراطية لا توجد بها جماعات سرية معترف بها، جماعة سرية في عرف الدول تعني عملاً خارجاً عن القانون، ويستدل على هذا بموقف الإخوان أنفسهم خلال عام حكمهم المشؤوم «لم تتقبل الجماعة وجود جبهة الإنقاذ ولا أي نشاط لمجموعات تمارس العمل السياسي والذي كان معلناً وقتها، فما بالنا بعمل سياسي سري له تمويل خارجي وأجندة دولية بحكم أن له فروعاً في عدد من الدول؟.. أي دولة طبيعية يمكن أن تقبل هذا النموذج الشيطاني العجيب؟».. وعلى سيرة التمويل، يقف «رجب» حائراً أمام أسئلة كثيرة حوله، لم يسألها وقتها بحكم التغييب، لكنه وما إن فاق من سباته حتى انتبه إلى كارثة التمويل «من يدفع لمن ولماذا؟».. وهو السؤال الذي لا يفضي إلى إجابة منطقية داخل التنظيم، فمن المستحيل أن تكون اشتراكات الأعضاء هي مصدر التمويل في الجماعة، صحيح أن نظام الدفع كان يتم بصورة نسبة من راتب كل عضو لا تقل عن 5%، لكن حتى هذا في نظره لا يبرر الإنفاق الرهيب والمبالغ فيه للجماعة في كل المصارف التي كانوا يبدون فيها مظاهر التكافل مع الأعضاء.
لا ينظر «رجب» كثيراً وراءه، ينطلق في طريقه ساعياً نحو النجاة، يساعده ما تغير في طبيعة المجتمع المصري، فطن أن الهاربين من قبور الجماعة هم مصريون لهم حق العودة طالما لم يتورطوا في دماء، وفطن أيضاً أن كل ما خاضه كان رحلة، لن يحاكم نفسه في أي من مراحلها، لكنه لن يترك نفسه ينخدع مرة أخرى، وأن الحبس الذي تعرض له لم يكن سوى مَصل ليزيد مناعته تجاه كل هجمة جديدة لتنظيم عينُه على مصر، لكنه لن ينالها.