سفراء في رحاب التاريخ.. «عبد الحميد وحسن» يحولان معالم مصر إلى حكايات تلمس القلوب
سفراء في رحاب التاريخ.. «عبد الحميد وحسن» يحولان معالم مصر إلى حكايات تلمس القلوب
- المعالم المصرية
- السياحة
- المعالم الأثرية
- أبو سمبل
- حسن سليمان
- النوبة
- لقمة العيش
- البازارات
- التاريخ المصري
- الحضارة المصرية
بشغفٍ يتجاوز حدود الوظيفة، وعينٍ تقتنص الجمال من قلب المعابد العتيقة، يقف المرشد السياحي «عبد الحميد يسري» ليعيد صياغة المشهد السياحي في مصر عبر عدسة هاتفه، هو ليس مجرد ناقلٍ للمعلومة التاريخية، بل هو صانع حكايات استطاع أن يحول لقطات عفوية لبسطاء المعابد إلى ظواهر رقمية.

لقطة هزت الفضاء الأزرق
يروي عبد الحميد بدايات النجاح، في تصريحات لـ«الوطن»، قائلاً: «منذ اللحظة الأولى التي نُشر فيها المقطع الذي احتوى على مشاهد لحارس معبد أبو سمبل حسن سليمان حسن، وهو يصور السائحين لقطات مميزة ومحترفة داخل المعبد وخارجه، كان شعوري يهمس لي بأن ثمة نجاحاً قادماً، لكنني لم أتخيل أبداً أن يبلغ هذا الحد من الانتشار، في الساعة الأولى فقط، حصد الفيديو الذي وثق قيام حارس أبو سمبل بإدخال البهجة على قلوب زائري المعبد أكثر من خمسين ألف مشاهدة، حينها قلت لصديقي بصدق: هذا المقطع سيتجاوز كل التوقعات».
لم يكن هذا النجاح وليد صدفة عابرة، بل كان نتاج «عين خبيرة» تعرف متى تلتقط الجمال. يوضح عبد الحميد أن تلك المشاهد المؤثرة لم تُصور في يوم واحد، بل كانت ثمرة زيارات متعددة للمعبد بصفته مرشداً سياحياً، حيث كان يستغل أوقات استراحته ليجمع لقطات متفرقة، صهرها معاً في قالب واحد ليخرج بفيلم قصير لم يتجاوز بضع ثوانٍ، لكنه استقر في قلوب تسعة ملايين مشاهد عبر مختلف المنصات، من «فيسبوك» الذي تجاوز فيه عدد المشاهدات أربعة ملايين، إلى «إنستجرام» وغيرهما.

أبطال الظل
في جعبة عبد الحميد قصص كثيرة لأبطال هم في الأصل «حراس التاريخ»، يتحدث عن «عم محمد» صاحب فيديو «المفتاح» الشهير مع السائحة الآسيوية، والذي كان هو أيضاً من التقط تفاصيله ببراعة، ويقول عبد الحميد: «أنا مهتم جداً بتصوير محتوى يبرز الوجوه الطيبة في معابدنا، ولديَّ أفكار محددة أسعى لتنفيذها لإظهار روح مصر الحقيقية، لقد صورت عم ناصر بجلابيبه الأصيلة في المتحف المصري الكبير، ووثقت لحظات زفاف عروسين من الصين في معبد الأقصر، وكلها أعمال لاقت رواجاً هائلاً لأنها تلمس الجانب الإنساني الصادق».

العلم يمتزج بالفن
خلف هذه الموهبة الفطرية في التصوير، تقف خلفية أكاديمية رصينة، فعبد الحميد هو خريج كلية السياحة والفنادق بجامعة الأقصر، قسم الإرشاد السياحي. هذا التخصص منحه القدرة على فهم قيمة المكان الذي يتحرك فيه، وجعل منه مرشداً بدرجة فنان.
يختتم عبد الحميد حديثه وهو يقلب في أرشيفه الشخصي، مستعداً لمشاركة العالم مزيداً من صور المشاهير الذين التقى بهم، واللقطات التي وثقت عظمة الأثر وبساطة البشر، مؤكداً أن هدفه الأول ليس الشهرة فحسب، بل تقديم «سبق» يعكس صورة مصر المشرقة، من خلال قصص يرويها الضوء، وتصورها نية مخلصة لخدمة هذا الوطن وتاريخه العظيم.

وعلى الجانب الآخر، بين جدران المعابد الشاهقة، حيث تهمس الحجارة بأسرار آلاف السنين، يقف حسن سليمان حسن ليس مجرد حارس للأثر، بل كجسر حيّ يربط بين عظمة الماضي وابتسامة الحاضر، بملامحه النوبية الأصيلة التي تحمل سمرة طمي النيل، وعينين خبرتا تفاصيل الوجوه القادمة من كل فج عميق، يروي حسن حكاية إنسان لم تمنعه محدودية التعليم من أن يكون «سفيراً» غير متوج لبلاده.

من أزقة البازارات إلى رحاب التاريخ
لم يكن طريق حسن نحو المعابد مفروشاً بالورود، بل كان رحلة كفاح بدأت من الصفر، «أنا حارس آثار، اسمي حسن سليمان حسن، نوبي وأفتخر بانتسابي لهذه الأرض»، هكذا يبدأ حديثه بكلمات تملؤها العزة، رحلته بدأت من العمل في البازارات السياحية في مرسى علم والغردقة، وصولاً إلى القاهرة، قبل أن يستقر به المطاف في عام 2006 كحارس بوزارة الآثار، في معبد أبو سمبل.
يقول حسن مسترجعاً ذكرياته: «لقد وضعتني الأقدار بين خيارين؛ وزارة الري أو الآثار، فاخترت الآثار مدفوعاً بحب قديم للسياحة، في البداية، لم أكن أدرك قيمة ما أحرسه، لكن مع مرور الوقت، وتأملي في تلك الصروح العظيمة، بدأت أفهم أن السياح لا يأتون لمجرد المشاهدة، بل تقديراً لعظمة بلدنا، من هنا، أدركت أنني لست مجرد موظف، بل أنا واجهة مصر، وأهم ما نملكه هو حسن المعاملة والابتسامة التي تعكس ميزانية بلد بأكمله».

لغة القلب.. واثنتي عشرة لغة أخرى
رغم أن مسيرته التعليمية لم تتجاوز الصف الخامس الابتدائي، إلا أن «مدرسة الحياة» في البازارات كانت أكثر سخاءً معه، فبإرادة صلبة، استطاع حسن أن يتقن التحدث باثنتي عشرة لغة أجنبية، محطماً حاجز الصمت بينه وبين الزوار، «الدنيا هي من علمتني»، يقول حسن بتواضع، «كان لمدير الآثار في أبو سمبل فضل كبير في تحبيبي في هذا المجال، حتى في الأوقات التي يخلو فيها المعبد من الزوار، كنت أجلس مع نفسي أتأمل في هذه المعجزات المعمارية، وأتساءل: كيف صنع الأقدمون كل هذا؟ حتى تشربت تفاصيل المكان وأصبحت جزءاً منه».

عازف الضوء في معبد التاريخ
لم يتوقع حسن يوماً أن تصبح لمسته على هواتف السياح «تريند» يجوب العالم، فبمحض الصدفة، وخلال تصويره لفتاتين من فرنسا بحركة احترافية مبتكرة، قام والدهما بتصوير حسن من خلف أحد الأعمدة وهو يوجه الفتيات ببراعة، «لم تكن مهنتي يوماً هي التصوير، بل هي المودة التي جعلتني أقوم بذلك، ودمج السائح الفيديوهين معاً ونشرهما، لتنهال التعليقات والإعجابات من كل حدب وصوب، لقد كانت نيتي صافية، والله كافأني بتقدير الناس وبخطاب شكر من مديرية السياحة».
هذه المهارة الفطرية جعلت من حسن مقصداً ليس فقط للسياح الأجانب، بل لمشاهير الفن والرياضة والمجتمع، الذين حرصوا على التقاط الصور معه، من الفنانة روجينا إلى الدكتور عمرو الليثي وكبار المسؤولين، ليتحول حارس المعبد إلى جزء من ذكريات كل من يزور هذا المكان.

بين فخر الانتماء وظلال البيروقراطية
لكن الشهرة، كما يصفها حسن، «سلاح ذو حدين»، فبقدر سعادته بتمثيل بلده بصورة مشرفة، اصطدم بواقع إداري يخشى على «لقمة العيش» يتحدث بنبرة يشوبها القلق: «هناك من يحب الخير، وهناك من يحقد، بعد انتشار الفيديوهات، واجهت مضايقات جعلتني أخشى على عملي وعلى رؤسائي المباشرين الذين يعاملونني بكل ود، ولكن يؤلمني أن يُفسر اجتهادنا وحبنا للعمل على أنه تقصير، فنحن الذين نستقبل الزوار بوجه بشوش بينما البعض يقبع خلف المكاتب لا يدرك قيمة تلك الابتسامة».


