طريق 30 يونيو

أمينة خيرى

أمينة خيرى

كاتب صحفي

تبدو ثورة 30 يونيو وكأن وقائعها قد حدثت بالأمس القريب.

ما زالت التفاصيل الدقيقة لكل ما جرى فى هذه الأيام بالغة الصعوبة، معتمة الأجواء، حاضرة فى الذهن ومحفورة فى القلب.

أميل بطبيعتى إلى عدم توقع الأحسن، وكذلك تقلص هوامش الأمل، وربما يكون ذلك تكتيكاً دفاعياً أحمى به نفسى من الصدمات.

ليس تشاؤماً، بقدر ما هو حرص وتقليص لهوامش الرجاء خوفاً من تدهور الحال، أو حتى بقائه على ما هو عليه.

ووصلت هذه الطبيعة إلى أقصى دفاعاتها فى مثل هذه الأيام من عام 2013.

هذه الجماعة المسمومة الخبيثة التى أتى بها خليط من الأصوات، جزء منها ضحايا سموم خلط الدين بالسياسة بالإيمان بالانتخابات بالقنوات التليفزيونية الدينية التى تقود مُشاهدها إلى الجنة بالوصول إلى المجالس النيابية بالخدمات الاجتماعية والمالية وعلى هامشها مقايضات الأصوات والولاء فى مقابل استمرار الانتفاع، وفوق هذا وذاك تصوير للدين بأنه الجماعة وأبناء عمومها من جماعات مولودة من رحمها، وإن افترقت عنها أو شبَّت وكبرت و«طلع لها مخالب منفصلة»، وأن الجماعة هى الدين.

والجزء الآخر من الأصوات التى أتت بها هى لأولئك المنتمين لتيارات سياسية أو أيديولوجية أخرى ممن يرفضون رفضاً باتاً فكرة النضوج.

اعتقدوا أن الجماعة فصيل وطنى، وأن مثلها مثل أى حزب سياسى مدنى أو أيديولوجيا سياسية واجتماعية مثل الليبرالية أو المحافظة الاشتراكية أو حتى البيئية، تأتى بالانتخابات، وترحل بغالبية الأصوات.

أعطوا أصواتهم للجماعة ظناً منهم أنهم بذلك يدرأون خطر عودة النظام الذى سقط.

ما زلت أتذكر كلمات صديقة عزيزة وهى تشرح لى لماذا أعطت صوتها للإخوان. قالت: خلاص عرفنا طريق الميدان. والله لو خذلونا بعد سنة، ننزل التحرير ونسقطهم. أتذكر جيداً هذه النظرة الساخرة اللائمة فى عينيها حين قلت لها إن التهمة التى يمكن أن توجَّه لمن يعترض ويشن ثورة ضد نظام سياسى تتراوح بين تعطيل المرور والإضرار بمصالح المواطنين، أو إثارة البلبلة والتسبب فى الفوضى، أو حتى الإخلال بالأمن العام وقد يصل الأمر لحد الاتهام بالعمالة والخيانة.

أما تهمة التظاهر ضد جماعة دينية، فهى الكفر وهدم الدين ومعاداة المتدينين إلى آخر القائمة. الفرق كبير ومميت.

ما شهدته مصر، وما صنعه المصريون فى مثل هذه الأيام قبل 13 عاماً من ثورة عارمة من قطاعات عريضة من الشعب ضد المضى قُدماً لتحويل مصر إلى دولة دينية كان من أفضل ما حدث فى تاريخ بلادنا المعاصر.

مشاركة الفئات «الكنبوية» التى لم تشارك يوماً فى فعالية عامة أو تظاهرة سياسية أو تدلو حتى بدلوها فى قرار أو إجراء أو سياسة تعنى أن ما كانت مصر مقبلة عليه من تحوُّل مؤكد إلى دولة «ملالى»، أو عزبة مرشد، أو تكية جماعة تعتبر نفسها فصيلاً مختلفاً ومتميزاً ومتفرداً عن باقى أفراد المجتمع، كان خراباً مؤكداً.

اليوم، أتذكر ما جرى فى عام 2013، بكثير من الامتنان، وأيضاً بكثير من الانتباه من الأخطار التى ما زالت تحدق بنا. بالإضافة بالطبع إلى الأوضاع الإقليمية المتفجرة بين وقت وآخر، وما يتم تخطيطه وتدبيره لمصر من قبَل جهات وأطراف عدة، فإن الأخطار الداخلية لم تنتهِ فى يوم 3 يوليو، ولكن الأمل فى مواجهتها ونزع فتيلها بدأ فى هذا التاريخ.

3 يوليو أعاد لنا ثقتنا فى أنفسنا، وفى قدرتنا على التغيير وإنقاذ أنفسنا حتى فى أحلك الظروف وأخطر الأوضاع. تحية خالصة للجيش المصرى والرئيس عبدالفتاح السيسى، وتحية خالصة للشعب المصرى، لا سيما حزب الكنبة الذى غزا أعضاؤه الميادين والشوارع رافعين شعار «يا روح ما بعدك روح».

اليوم، نواجه أوضاعاً إقليمية بالغة الخطورة، وبعضها قابع على أبوابنا الحدودية، ونواجه الاقتصاد، ونواجه آثار تجريف اجتماعى وتعليمى وأخلاقى وسلوكى هى نتاج عقود طويلة، ولن ينصلح حالها بين يوم وليلة.

عملية البناء تجرى على قدم وساق. مشروعات لم نكن نحلم بها، طرق ومواصلات ومدن ومتاحف ومطارات والقائمة تطول. ويظل البناء عملية متكاملة لا تكتمل أركانها بدون بناء الإنسان.

وما أفسده الإسلام السياسى، ليس فقط جماعة الإخوان السامة، ولكن أبناء عمومها من جماعات وأحزاب وتيارات وأفكار، لن ينصلح سريعاً، ولن ينصلح بطريقة «داوها بالتى كانت هى الداء»، وإلا نكون كمن ينجو من مطب ليقع فى حفرة.

ندعو الله أن ينجى مصر من مطبات وحفر الإخوان وأبناء عمومهم، لكن إلى جانب الدعاء، علينا العمل على تفعيل النجاة.

حين قرر المصريون -شعباً وجيشاً وشرطة- أن يُخلِّصوا أنفسهم من قبضة جماعة سامة مدعومة من هنا وهناك، أبدعوا وأنجزوا.

وإن أرادوا استكمال الإبداع والإنجاز، فهم على ذلك قادرون. نحن قادرون على تطهير بلدنا، وأفكارنا، وتعليمنا.

التطهير ثقافة وفن وعلم وأخلاق وقانون وهدف واحد واضح صريح، دولة مصرية مدنية. هو طريق 30 يونيو الذى بدأناه قبل 13 عاماً، وعلينا إكماله.