كرة القدم والسياسة (7)

لا يخلو حديث البعض عن جنون كرة القدم من معنى، وإن كان هو لم يقصد الأمر على النحو الذي رأيناه في الأزمة السياسية التي اندلعت بين مصر والجزائر عام 2009، إثر شحن إعلامي كبير سبق وصاحب وأعقب مباراة فاصلة بين منتخبي البلدين في تصفيات كأس العالم 2010، أو التطور الأكثر ضراوة، حين كانت كرة القدم الشرارة التي أدت إلى انفجار الاحتقان بين السلفادور وهندوراس فوقعت حرب بين البلدين، قُتل فيها أكثر من 4000 قتيل، معظمهم مدنيون، ومعهم 10 آلاف مشوّه و120 ألف مشرد، ودُمرت مئات البيوت والمنشآت.


فقبل المباراة حظرت حكومة هندوراس على السلفادوريين تملك أراضٍ بها، وطردت بعضهم وهم من الإقطاعيين الذين عاشوا فيها أجيالاً، وقطعت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وتبادلت وسائل الإعلام سجالاً شحن النفوس بالغل. وفرضت تصفيات بطولة كأس العالم لعام 1970 على البلدين خوض مباراة فاصلة في المكسيك لتحديد الفريق الذي سوف يتأهل إلى المباراة النهائية، بعد أن تبادلا الفوز على أرضيهما. وانتهت هذه المباراة بفوز السلفادور 3/2 في الوقت الإضافي، فنزل الهندوريون إلى الشارع وهاجموا فقراء السلفادوريين المقيمين عندهم، لتتطور الأمور إلى حرب شاملة بين البلدين، استمرت أربعة أيام.
وينبع ارتباط التصورات والاستعارات السياسية بكرة القدم من خمسة أمور يمكن شرحها على النحو التالي:


1- تبدو العملية السياسية معقدة للغاية، نظراً لتداخلها الشديد مع حقول معرفية ونشاطات إنسانية أخرى، ويأتي التحليل ليبسطها عبر نماذج تأخذ أشكالاً مختلفة تتراوح بين الكلام اللفظي الصرف والحسابات الرياضية الدقيقة، كما أنها عملية تتسم بالشمول، إلى حد كبير، إذ إن كل النشاطات البشرية قابلة للتسييس عندما تدخل في صميم اهتمامات السلطة السياسية.


ويمكننا في ركاب هذا تحليل القيم الاجتماعية والسياسية الكامنة في بطولة الدوري العام في بعض الدول، لندرك أنها مليئة بالعبر والعظات، وتقدم لنا لوحة عريضة مرصعة بمشاهد عدة، يمكنها إن تجاورت أو توازت أو حتى تتابعت أن تشرح لنا، وتكشف لنا، جانباً من الخصال الاجتماعية للشعب في هذه اللحظة من تاريخه، منها ما هو إيجابي، وهو ليس بالقليل، ومنها نشر ثقافة اعتباطية وعشوائية تركن إلى أن الفائز فريق محظوظ، ويهزم خصومه عن طريق الصدفة، وأن هناك تواطؤاً لصالحه، وتوجد مؤامرة على منافسيه. وهناك أيضاً الانحياز إلى التحايل على حساب الحقائق الجلية، ومنها أن المثابر ينتصر ولو بعد حين، وأن الإيمان بالتراكم يدفعنا إلى الأمام.


2 - تبادل المنافع والتأثير، الذي لا يخلو من تبادل الاستعارات، بين الكرة والسياسة، وهي مسألة تختلف وفق طبيعة النظام السياسي، ففي النظم الديمقراطية يوجد تمايز بين الرياضة وفرقها وبطولاتها ونجاحاتها وبين العمل السياسي والحزبي، بحيث «لا تؤثر الرياضة في العمليات السياسية، والمنافسة الحرة بين الأحزاب والسياسيين، ولا تؤثر الهزيمة أو النصر على مآلات العمليات السياسية وشعبية الطبقة السياسية الحاكمة، إلا نادراً واستثناء. أما في النظم السياسية الشمولية والتسلطية لا تزال للرياضة بعض الدور النسبي وبعض التأثير على مكانة بعض السياسيين، من حيث الشهرة والذيوع والمكانة، خاصة بعض ذوي الاهتمامات الرياضية لبعض الفرق الوطنية أو القومية في هذا الصدد» وفق نبيل عبدالفتاح.


كما تلعب الرياضة، خاصة كرة القدم، في الدول الشمولية والتسلطية عديداً من الأدوار السياسية التي يستخدمها رجال السياسة، ومن بينها «توظيف الرياضة في بناء الهويات القومية، وتحقيق التماسك الاجتماعي، والولاءات الكبرى باسم الوطنية، أو القومية، من خلال قدرة الفرق القومية على استقطاب الولاءات ما فوق الأولية القائمة على القبيلة والعشيرة والدين والمذهب واللغة والعرق والمنطقة والشرائح الاجتماعية المتصارعة، علاوة على استعمال كرة القدم كمصدر للتعبئة الوطنية والاجتماعية، وإحدى قنوات استقطاب الاهتمامات العامة للجماهير خارج المجال السياسي، والتعامل مع الفرق الكبرى بديلاً للانشغال بالحياة الحزبية».


كما يمكن النظر إلى كرة القدم أو استعارتها في تحليل طبيعة السياق الذي يحيط بالنظام السياسي برمته، فعلى سبيل المثال، يرى الصحفي البريطاني بارني روناى أن كرة القدم ضاربة بجذورها داخل المجتمعات البريطانية الصغيرة، وأن أندية الدوري الممتاز هي امتداد لكنيسة الحي التي ذهب إليها الأجداد، أو الحانة التي اعتادوا ارتيادها ليلاً، وأن الكرة كانت هي الحصن الأخير ضد الفكرة التاتشرية الأصلية التي لا تعترف بشيء اسمه المجتمع، في إشارة لحقبة الثمانينات في بريطانيا، والتي زادت فيها النزعة النيوليبرالية.